العيوب الخلقيّة

العدد:
السنة:

 نظرة المجتمع إليها وتأثيرها على الأفراد

اعرف إمرأة عجوز تعاني من انحناءٍ قويّ في الظّهر ولا تقدر أن تنتصب البتّة. لم تخرج من منزلها إلا لماماً خوفًا من نظرات النّاس إليها. ذات يومٍ، أخذت حفيدها إلى حفلة عيد ميلاد لوجود أهله في العمل. وبدخولهما المطعم، بدأ الأولاد يُحدِّقون بها بازدراء ويُشيرون إليها بالأصابع. حتّى أنّ البعض منهم شرع في تقليد تحرّكاتها ومشيتها ما أضحك الجميع. وهذا ما كنّا نفعله ونحن صغار: نضحك ونَسخَر من كبار السّن المصابين بالحدبة ونقلّدهم. المؤسف أن بعض البرامج التّلفزيونيّة الكوميديّة اليوم تَستهزئ بالعيوب الخُلقيّة لإضحاك المشاهدين. فيقلّدون إيماءات شخص معيّن أو صوته أو مظهره الخارجيّ بطريقة متعمّدة ومبالغ فيها. كما يقلّدون الأشخاص الّذين لديهم مشكلة في المشي أو في الكلام كالفأفأة. 

يعيدنا ذلك بالذّاكرة إلى رواية "أحدب نوتردام" للأديب والشّاعر الفرنسيّ "فكتور هوغو." امتلك هذا الأحدبِ اسماً، "كواسيمودو"، إلاّ أن "هوغو" سمّاه بضعفه. وعادةً ما نُسمّي الفرد بعيوبه، فندعوه بالمكفوف أو بالأصمّ أو بالمعوَّق. أمّا "الانسانيّون" فيُشدّدون على استخدام  كلمة "الشّخص" قبل ذكر الإعاقة، فيقولون الشّخص الأصمّ وليس الأصمّ. كما امتهن "كواسيمودو" أيضًا وظيفةً. فهو قارع أجراس كاتدرائيّة نوتردام. أثّر رنين الأجراس القويّ على سمعه وأصابه أيضاً بالصمم فقَبِعَ خلف جدران الكاتدرائيّة وانعَزَل عن العالم بأسره بسبب عاهته. وإذا هَمَّ يومًا في الخروج من عزلته، احتقره المجتمع من حوله وتجنّبه بسبب شكله الخارجيّ. وكم من أناسٍ تجنّبناهم وهربنا منهم لفقدانهم بصرهم أو عضو من أعضائهم جرّاء حادث.

قد نظنّ أحيانًا بأنّه لا بدّ وإن هؤلاء المعوّقين ارتكبوا خطيّة خطيرة سبّبت إعاقتهم. وهذا فكر ساد أيضًا في زمَن المسيح إذ اعتبر البعض أنّ الإعاقة هي نتيجة خطيّة الفرد أو أهله. في يوحنّا 9: 2 سأل التّلاميذ يسوع قائلين: "يَا مُعَلِّمُ، مَنْ أَخْطَأَ: هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" وبما أنّه الوحيد العالِم بكلّ شيء ولديه الجواب النّهائي، أجابهم: "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَأَبَوَاهُ، لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ" (يوحنّا 9: 2-3).

ومن المفيد في النّهاية اقتباس القول الأرمينيّ المشهور: "عندما تنظر في وجهي لا تركّز على ملامحه ولكن على الّذي رسمني، وعندما تنظر إلى شعري لا تركّز على كثافته بل على القادر على أن يُحصيه، وعندما تشعر بأنفاسي تذكّر كيف نَفَخَ فيك وفيّ نسمة الحياة". ولنتذكّر قَبل أن نَسخَر من أحدٍ بقساوة بأنّه كائنٌ مخلوقٌ على صورة الله ولديه اسمًا وكرامة، وبأنّ استهزاءنا به ليس إلاّ تعييرًا لله.

AddToAny