الـ"بيوريتان"، الطّهوريّون: مثال تاريخيّ أم حالة مستمرّة؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

حلّت البروتستانتيّة محلّ الكثلكة في إنكلترا أيّام "هنري الثّامن" في بداية القرن السّادس عشر. يومها أراد الملك الطّلاق والزّواج ثانية ليكون له وريث، وقد رفض البابا السّماح له بذلك. ولكنّ الإصلاحات الإنجيليّة الفعليّة لم تأخذ مجراها إلاّ بعده في أثناء حكم "إدوارد السّادس". وقد مرّت إنكلترا في فترات تقلّب حادّة مع تغيّر ملوكها الّذين لم يكونوا جميعهم متمسّكين بالإصلاح الدّينيّ والسّياسيّ حتّى نهاياته.

"أوليفر كرومويل" والجمهوريّة الطّهوريّة في إنكلترا

خاضت إنكلترا حربًا أهليّة انتصر فيها النّائب عن "كامبريدج" "أوليفر كرومويل"، بجيشه المتديِّن، على الملك "تشارلز الأوّل" الّذي أُعدِم في العام 1649. وأمّا "كرومويل" الّذي كان صاحب اختبار تجديد روحيّ عميق، والمؤمن بالأفكار الجمهوريّة، لم يقبل أن يصير ملكًا، بل أخذ لقب "اللّورد: حامي أراضي إنكلترا واسكوتلاندا وإيرلاندا" وجعل البلاد جمهوريّة "كومنويلث إنكلترا" حتّى وفاته في العام 1658.

دعم "كرومويل" في حربه أكثر من 100 قائد بيوريتانيّ مدعومين من البرلمان، وقاموا بصياغة قانون إيمان عُرِفَ بـِ "اعتراف إيمان ويستمِنْستِر". بعد وفاة "كرومويل"، وفشل ابنه في إكمال المسيرة، أعاد الملكيّون تنصيب "تشارلز الثّاني" وقاموا بالثّأر من الطّهورييّن عبر التنكيل بهم ومنعهم من ممارسة معتقداتهم الدّينيّة غير المتوافقة مع المذهب الأنكليكانيّ. ومنذ ذلك الوقت، بدأ نجم الطّهورييّن يضعُف في إنكلترا ويزداد في العالم الجديد الّذي هاجروا إليه. العجيب هو أنّه، وعلى الرّغم من الحروب المستمرّة والاضطهاد المتكرّر، كتب الطهوريّون أجمل الكتابات وأعمق التأمّلات المسيحيّة الّتي تجاوز تأثيرها القرن السّابع عشر واستمرّ إلى أيّامنا هذه. أمّا أجمل ما قيل فيهم فهو: "الطّهوريّون هم الإنجيليّون الأكثر حرارة".

من صيت التّطرّف إلى المساهمات الإيجابيّة

لم يكن الطّهوريّون إجمالاً قساة متطرّفين اجتماعيًّا كما صوَّرَهم بعضهم، إنّما كانوا عاقلين ومُثقّفين أصحاب مبادئ ومملوئين فضائل، يحتاج مجتمعنا اليوم إلى أن يتعلّم منهم التّدقيق في السّلوك والغيرة في ما يخصُّ الله. وقد امتلأت تعاليم الطّهورييّن بالنّضج الرّوحيّ وشدّدت على الحكمة والإرادة الحسنة والثّبات والخُلُق والعمق في الحياة. وعلى الرّغم من كونهم تألّموا كثيرًا في مسيرتهم، إلاّ أنّ جهودهم تكلّلت بالنّجاح، إذ قبِلوا التّحدّي والحرب الرّوحيّة ودعوة الله لهم إلى أن يكونوا جنودًا صالحين ليسوع المسيح.

لقد كان كلّ ما عندهم مقدّسًا وفرصة لتمجيد الرّبّ. هذا جعل منهم أشخاصًا مُرتّبين وأصحاب هدف وعمليّين جدًّا. وإن كان أكثر المتديّنين يميلون إلى الانعزال عن المجتمع، إلاّ أنّ الطهوريّين كانوا معروفين بعدم تركهم مشروع تغيير العالم لغيرهم. كانوا عاملين باجتهاد ومُستسلمين لله لكي يعمل فيهم ومن خلالهم. وكم نحتاج في عصرنا إلى نموذج كهذا! فالمسيحيّون اليوم، هم بشكل عامّ بلا غيرة حارَّة، متفرّجين، وغير مُصلّين ومُستمتعين في الحياة الدّنيويّة. أمّا الطهوريّون فعملوا لإصلاح إنكلترا والقارّة الجديدة بإخلاص وأمانة. وكان على رأس إنجازاتهم تأسيس جامعة "هارفارد" وإرساء الدّيموقراطية في "إنكلترا الجديدة".

البيوريتان والأخلاق الشّخصيّة

وبالإضافة إلى عملهم في المجتمع، كان للـ"بيوريتان" عمل دؤوب ومثمر في مفاهيم الأخلاق الشّخصيّة والعائلة المسيحيّة. شدّدوا على أنّ شريك الحياة ليس هو مَن يحبُّه الإنسان بشغف في البداية فقط، بل هو مَن يحبُّه بانتظام كصديق عزيز لكلّ الحياة ومن بعدها العمل مع الله على النّموّ سويًّا في المحبّة إلى ما لا نهاية. وآمنوا بأنّ العائلة هي كنيسة صغيرة وهي الوحدة الأساسيّة في المجتمع والكنيسة، حيث يربّى الأولاد على مبادئ الإيمان المسيحيّ والتّقوى والانضباط وحفظ المذبح العائليّ. كم تحتاج كنيسة اليوم إلى العمل على المجتمع والعائلة اللّذين يحتضران ويبتعدان عن المفاهيم الكتابيّة الصّحيحة!

كان تقدير الطهوريّين كبيرًا للإنسان وأخلاقه، وهذا ناتج من تقديرهم لعمل الله في الخلق. لذلك نراهم يغوصون في كلّ تفاصيل حياة الإنسان. وآمنوا بأنّ كلّ ما يتعلّق بحياة الانسان له قصد وهدف وعليه أن يكون في أفضل صورة. انعكست هذه الرّؤيا على وعظهم إذ لم يكتفوا بتقديم الحقّ، بل بتعليم النّاس كيف يجب أن يطيعوا الله عمليًّا في كلّ الميادين. وفي هذا الإطار، كتب "جون أوين": "السّعادة لا تكمن في معرفتنا أمور الإنجيل بل في تطبيقها". وكتب "جون بانيان": "إنّ روح الدّين هي في الأمور العمليّة".

ولأنّهم كانوا تحت تأثير مفاهيم العصور الوسطى الّتي لا تحتمل وجود الخطأ وسط المجتمع، لم يستطيعوا أن يحتملوا أيّ تأثير سيّئ على الفرد والعائلة والمجتمع، ولم يحترموا كثيرًا مَن لم يوافقهم أو يُذعن لرؤيتهم الطَهوريّة للكنيسة وللوطن. لكن ما نراه اليوم من انفلات أخلاقيّ خطير في المجتمع يجعل المؤمنين يترحّمون على أيّام الـ"بيوريتان"!

الـ"بيوريتان" والإيمان بالله

وضع الطهوريّون الله في مكانه الصّحيح في حياة الفرد وجماعة الإيمان، إذ هو الهدف العظيم للدّين. رأوا الله في كافّة الظّروف ورأوا بصماته في كلّ حوادث الحياة. لم يوجد مكانٌ لم يجد فيه الطّهوريّون الله، إذ كانوا دائمًا، كما قال "ريتشارد باكستر"، مستعدّين لتلقّي أيّ إشعاع من مجده على نفوسهم من أيّ مكان أتى.

وبينما جاهدوا في مجال اللاّهوت العقائديّ، لم يُهملوا الاختبار العاطفيّ، وبذاك أظهروا التّوازن الدّقيق والضّروريّ بين العقل والقلب في موضوع الإيمان. كتب "بركينز" أنّ خدّام الكلمة يجب أن يكونوا أتقياء وباحثين وتأثير حياتهم بقدر تأثير عقائدهم. ومن جهة أخرى، تمكّن الطّهوريّون من أن يوفّقوا بين قبول العالم ورفضه في الوقت نفسه. فهم عرفوا أنّ العالم هو المكان الّذي يضعنا فيه الله للعمل ولا يجب أن يأخذ مكانة الله في قلوبنا.

أمّا جهاد الطّهوريّين في الخدمة الرّوحيّة فكان مُلفتًا لما تمتّعوا بأفكارٍ جيّدة وشجاعة فائقة، وكانوا ثابتين حتّى في الهزائم، إذ علموا أنّهم جزء صغير من معركةٍ كبيرةٍ بين النّور والظّلمة وبين الحقّ والباطل. وآمنوا بأنّ الكتاب المقدَّس هو المصدر الوحيد والثّابت للحقّ ولا بدّ من أن يقود الإنسان إلى طريق السّماء. مَن يدرس كتابات الطّهوريّين لن يجد فيها منفذًا للتّشكيك في الأسفار المقدّسة، وفرصة تسمح للحياة الفاسدة بأن تتستّر في النّعمة، وسيجد في هذه الحركة الشّريفة الكثير من التّاريخ والأدب والجذور والقدوة والبركة على الرّغم من أيّ تباين معهم في مجالات العقيدة والسّلوك. باختصار، كان الطهوريّون مدماكًا مباركًا في تاريخ كنيسة المسيح، لو تأمّلنا طرقهم لسُنحت لنا فرصة أن نتعلّم منهم الكثير من أجل حياتنا المعاصرة.

AddToAny