الفرّيسيّ والعشّار

الموضوع:
العدد:
السنة:

في كلّ مرّةٍ التقى يسوع فيها الجموع كلّمهم بأمثالٍ. دخل في أحد الأيّام إلى مدينةٍ، فتوافدت إليه الحشود من كلّ صوبٍ لتستمع إلى تعاليمه. وكان بينهم قومٌ واثقون بأنفسهم أنّهم أبرار ويحتقرون الآخرين باعتبارهم أدنى مرتبة منهم، فأعطاهم مثل الفرّيسيّ والعشّار.

قال "إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ." (لوقا 18: 10-14).

نرى في هذا المثل نوعين من النّاس: من يُشبِهون الفرّيسيّ ومن يُشبِهون العشّار. ولا نجدُ الفرّيسيّ هنا يطلب معونة الله أو رحمته، بل يتباهى بالأحرى بإنجازاته الرّوحيّة. نراه يُكثِر من استخدام ضمير المتكلّم، ما يدلّ إلى حالةٍ من الكبرياء الرّوحيّ. كما نراه أيضًا متّكلاً على أعماله ومُتمسّكًا ببرّه الذّاتي. صحيحٌ أنّه يصوم ويعشّر كلّ ما يقتنيه ويُصلّي مطوَّلاً، لكنّ يسوع يعلم ما بداخل الإنسان ويعلم بأنّ الفريسي لا يفعل ذلك إلا بدافع الافتخار ولفت الأنظار. وهو أيضًالم يُقارن نفسه بمقياس الله الكامل ليُدرِك مدى نجاسته، بل قارن نفسه بآخرين من مجتمعه. وهذا، للأسف، ما تقوم به شريحة كبيرة من البشر. وهو يُمثّل ُبالتّالي جميع من لا يُدركون أنّهم خطأة، ويتّكلون على أعمالهم الصّالحة وواجباتهم الدّينيّة لخلاص أنفسهم.

أمّا العشّار فلم يشأ أن يقترب من الله. لا بدّ وإنّ خطاياه الكثيرة استُعرِضَت بلمحةِ بصرٍ أمام عينيه. ووجد، أمام قداسة الله، أنه لا يليق به على الإطلاق التواجد في محضره. كما أدرك أنّه لا يستحقّ البتّة أن يحصل على أيّ شيء منه. لذا وقف بعيدًا ولم يشأ أن يرفع عينيه نحو السّماء بل قرع صدره طالبًا الرّحمة والمغفرة. وهو بهذا يُمثّل جميع الّذين يعترفون بأنّهم خطأة وعاجزون عن فعل أيّ شيء من أجل خلاص أنفسهم، ويلجأون بالتّالي إلى المسيح ليطهّر خطاياهم بدمه الّذي سُفك على عود الصّليب.

أراد يسوع أن يعلّمنا بهذا المثل درساً، وهو الاتّضاع أمام الله. إذ لا يستحقّ أيٌّ منّا الدخول بكلّ ثقة إلى عرشه لولا نعمة المسيح وفدائه على الصّليب. لأنّنا جميعنا ضَلَلنا كالغنم، اتجه كلّ منّا في طريقه، إمّا طريق الخطيّة والفساد وإمّا طريق التّديُّن المزيّف، وكِلا الطّريقان لا يُؤهّلانا للمثول أمامه ونيل المغفرة. لذا لا بدّ من أن نتذلّل أمام الله مُعتَرفين بخطايانا وبحاجتنا الماسّة إلى خلاصه.

AddToAny