الفيلسوف الواعظ جوناثان إدواردز

الكاتب:
العدد:
السنة:

لاهوتيّ وفيلسوف وعالم في الوقت نفسه. إنّه أحد أعظم المفكّرين والكتّاب بشهادة فلاسفة الأدب واللّغة. اعتبره بعضهم بشير "الحركة الرّومانسيّة" في الأدب الإنكليزيّ. وعلى الرّغم من وفاته منذ أكثر من مئتي عام، لا يزال أثر كتاباته قويًّا في الحياة الفكريّة والدّينيّة والأدبيّة في الولايات المتّحدة، إلى يومنا الحاليّ. كان اسم "جوناثان إدواردز" الأكثر ارتباطًا بالـ"النّهضة الكبرى" الّتي بدأت في العام 1734 في الولايات المتّحدة، واستمرّت حتّى العام 1742، وأثمرت مئات الآلاف مِمّن رجعوا عن شرورهم وسلّموا حياتهم إلى المسيح.

قال عنه "مارتن لويد جونز": "لو طُلِب إلَيّ أن أصف رجال الفكر اللاّهوتيّ وأقارنهم بقمم الجبال، لاعتبرت "مارتن لوثر" و"جون كالفن" جبال الهملايا، و"جوناثان إدواردز" قمّة "إيفرست". فما تمتّع به "إدواردز" من فكر ومنطق وإدراك لم يعرفه أحد من رجال الفكر اللاّهوتيّ".

نابغة يتحوّل واعظًا للتوبّة

وُلِد "جوناثان إدواردز" في 5 تشرين الأوّل من العام 1703. كان ذكيًّا جدًّا، وكان يُبدي اهتمامًا كبيرًا بالأمور العلميّة، فتعلّم اللّغات اليونانيّة واللاّتينيّة والعبرانيّة وهو في سنّ الثّانية عشرة. دخل جامعة "Yale" في سنّ الثّالثة عشرة، حيث أنهى تحصيله الجامعيّ بعد أربع سنوات، ثمّ عمل مدرِّسًا في الجامعة. في العام 1727 عُيّن مساعدًا للرّاعي في كنيسة "نورثامبتون" الّتي كان يرعاها جدّه "سولومون ستودارد". بعد وفاة جدّه، عُيّن "إدواردز" راعيًا للكنيسة، واستمرّ في رعايتها حتّى العام 1750. في أثناء رعايته لها حصلت نهضة روحيّة عارمة كانت مُنطلقًا للنّهضة الكبرى الّتي عمّت الولايات الأخرى، واستمرّت لأكثر من ثماني سنوات. حين طُلِب إليه ترك الرّعاية بسبب وعظه العنيف ضدّ الخطيّة وإصراره على سَنّ قوانين أكثر صرامة فيما يتعلّق بعضويّة الكنيسة، ذهب إلى القبائل الهنديّة، حيث عمل بينهم كمُرسَل وواعِظ، وكتب أعظم مؤلّفاته الفكريّة واللاّهوتيّة. في 29 أيلول عام 1757، دُعي إلى كليّة "نيو جرسي"، التي صارت فيما بعد جامعة "برِنْستون"، لإلقاء محاضرات فيها، فأصيب بداء الجدريّ، الّذي كان منتشرًا في المنطقة، وتوفّي بسببه في 22 آذار عام 1758.

إعداده المواعظ وكيفيّة إلقائها

اعتاد "ادواردز"، منذ أيّام الدّراسة، أن يستفيق باكرًا عند السّاعة الرّابعة، وأن يدرس لثلاث عشرة ساعة يوميًّا، وأن يحمل القلم والمحبرة دائمًا لتسجيل أيّة فكرة تراوده. وقد استمرّت هذه العادات معه فساعدته كثيرًا في وعظه، إذ كان يقضي وقتاً طويلاً في إعداد عظاته الّتي كان يكتبها بالكامل. كما كان لمعرفته الكتابيّة الهائلة وصفائه الفكريّ دور كبير في تمكينه من معالجة أصعب المواضيع بشكل بنّاء ومفيد وواضح ومُمتع وطبيعيّ وسهل. وكان لقراءاته الكثيرة أثر بالغ في إثراء عظاته بالأفكار وإغنائها بالمواضيع.

لم يُطِل في وعظه، إنّما سعى لجعله مُنظّمًا جدًّا، ومُرتبطًا بشكل وثيق بموضوع العظة، وبالتّالي مُكثّفًا بالمعلومات والأفكار والمشاعر العفويّة، والأفكار اللاّهوتيّة الصّعبة الّتي قدّمها بشكل بسيط وسهل.

أمّا صوته فلم يكن قويًّا جهوريًّا، إلاّ أنّه كان يتكلّم بوضوح ودقّة، ويفصل بين الجملة والأخرى. وكانت كلماته غنيّة بالأفكار، وقد استطاع من خلالها جذب المستمعين إليه. كان مظهر "إدواردز" يُوحي بالهيبة والصّفاء، ولم يعتمد الضّجّة والحركات الإيمائيّة للفت الانتباه، بل ركّز على المضمون الّذي يُخاطب العقل. وكان يقرأ عظته قراءة، إلاّ أنّه لم يعتبر هذا الأسلوب هو الأمثل، وقد تمنّى، في نهاية أيّامه، لو أنّه لم يعتَد على هذا الأسلوب ليتمكّن من الكلام بحريّة وعفويّة أكثر.

تأثير وعظه في السّامعين

اعتُبر "إدواردز" أحد أركان "النّهضة الكبرى" وأبطالها في أميركا وبريطانيا، في القرن الثّامن عشر. وما ميّز حياته هو أنّه كان يعيش بحسب ما يعلّمه، وكان حريصًا جدًّا على كلماته وأفعاله وإنتقاء أصدقائه لتتناسب مع المبادئ الكتابيّة الّتي نادى بها. وقد أوْلى "إدواردز" أهميّة عظمى لمعرفة الطّبيعة البشريّة كي يتمكّن من مخاطبة النّاس بما يحتاجون إليه، فكان يعرف الكثير عن حياة النّاس الدّاخليّة، خطاة كانوا أم قدّيسين. كما أنّه كان مملوءًا من الرّوح القدس، فأثّر وعظه في السّامعين تأثيرًا كبيرًا على الرّغم من ضعفه الجسديّ وبنيته الهزيلة. ولعلّ أشهر عظاته المؤثّرة، عظة "خطاة بين يدَيْ إله غاضب"، الّتي ألقاها في 8 تمّوز 1741، والّتي وصَفَ فيها حالة جهنّم واستحقاق الخطاة لها بسبب خطاياهم، إلاّ أنّ يد الله وحدها هي الّتي تمنعهم من السّقوط في لهيبها وتُعطيهم فرصة أخرى للتّوبة. لكنّهم، إنْ لم يستفيدوا من رحمة الله هذه، فسيكونون مُستحقّين لنار جهنّم ولغضب الله على خطاياهم.

وقد قيل إنّه، بينما كان "إدواردز" يقرأ هذه العظة المكتوبة، كان الرّجال والنّساء الحاضرين أمامه يسقطون عن المقاعد متمسّكين بها بينما يصرخون طالبين الرّحمة والغفران من الله، وكان صوت نحيب التّائبين ونُواحهم يملأ كلّ أرجاء الكنيسة. وامتلأت أنفس كثيرين بالرّجاء والسّرور إذ نالوا الغفران وتعزية الرّوح القدس، في تلك اللّيلة.

AddToAny