القائد الخادم

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

إنّ أكثر ما تحتاج إليه الكنيسة في القرن الحادي والعشرين هو قائد خادم.  وصف "ويلكز" مشكلة القيادة الكنسيّة في كتابه "Jesus on Leadership"، فقال: "تعاني الكنائس من مشكلة الافتقار إلى قادة خدّام.  فلقد  استبدل معظم الكنائس المعاصرة "المنشفة والمغسل" كرمزَين للقيادة (Leadership) برئاسة الطّاولة (Chairmanship)."

علّم يسوع تلاميذه أن يخدموا لا أن يترأّسوا (مر10: 42-44)، معلِناً أنّه لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين.  ثمّ قدّم نفسه مثالاً حين غسل أرجلهم في العلّيّة (يو13: 1-17).  يشير هذا إلى أنّ العظمة الحقيقيّة هي في خدمة النّاس والتّضحية في سبيلهم، وليست في تطويعهم واستخدامهم.

تُلقي الأسطرُ القليلة الآتية الضّوءَ على تعريف القائد الخادم، ومن ثمّ تدلّ على مثال من الكتاب المقدّس يتّبعه القائد المعاصر في خدمته، لتبرز في الختام مواصفات تميّز هذا القائد في الكنيسة المسيحيّة.

أوّلاً: تعريف القائد الخادم

تتناول الدّوائر الكنسيّة في مجال القيادة تعريفات متعدِّدَة ومتنوّعة.  لكنّ القيادة المسيحيّة هي أكثر من مجرّد مفهوم يُعرَّف؛ إنّها دعوة تُطاع، وتكليف ينفَّذ.  يصفها "كنيث كانكل"، في كتابه "Feeding and Leading"، بأنّها دعوة إلهيّة إلى القائد المسيحيّ، لكي يمارس مواهبه في خدمة فريق محدّد من النّاس، بهدف مجد المسيح.

يعلّم الكتاب المقدّس أنّ كلّ مؤمن موهوب، وعليه أن يخدم الله.  لذا، من واجب القائد المسيحيّ أن يكون مثالاً 00يحتذي به باقي أعضاء جسد المسيح.  وهو عندما يتبع مثالَ المسيح في حياته وخدمته، سريعاً ما يدرك أنّ الخدمة ينبغي أن تكون أولويّة في حياته، وأنّ فوزه قد تمّ على الصّليب وفي القيامة، وأنّ نجاحه يُقاس بالخدمة ليس إلاّ.  

يريد الله من القائد الّذي يدعوه أن يتفانى في خدمة شعبه والمحتاجين إلى النّعمة، وأن "يُنفِق ويُنفَق" في عائلته وفي مجتمعه وفي كنيسته؛ ويصف خدمته بالفدائيّة أي المضحّية.  من هنا، فإنّ المحبّة يجب أن تكون دافع القيادة المسيحيّة، والخدمة أسلوبها، والفداء هدفها.  يعرِّف "جون موت" (John Mott) القائدَ الرّوحيّ بالشّخص القادر على التّعبير عن وجدانه بشكل فعّال وجدّي وعمليّ.  لكنّ المشكلة تكمن في أنّ غالبيّة القادة الكنسيّين لا يجدون جاذباً ولا متعةً في الخدمة؛ وهم لا يعترضون على الرّئاسة، إنّما ينفرون من الخدمة.  

هل يمكن تطبيق هذا التّعريف؟  هل يمكن للقادة في كنيسة المسيح أن يحوّلوا طاقة القوّة الّتي في حوزتهم إلى عمل خدمة؟  هل ثمّة توازن بين سلطة المركز والخدمة المتواضعة؟  تشدّد النّقطة الآتية على مثال كتابيّ يوجّه القائد الخادم ليتمِّم عمله بفعاليّة.

 

ثانياُ:  مثال القائد الخادم

تعلِّم الكتبُ، الّتي تتناول موضوعَ القيادة، أساليبَ مختلفةً عن الخدمة الّتي ينبغي على القائد المسيحيّ أن يلتزم بها.  يشرح بعضها مِثالَ بولس في الخدمة، وبعضها الآخر يتناول أسلوب برنابا أو بطرس وغيرهما.  إنّ قادة العهد الجديد المكرّسين هم قدوة صالحة، ولقد كُتِبَت سيرتهم لأجل تعليم المؤمنين وتوجيههم.  ولكنّ هذه المقالة تتحدّث عن مثال يسوع الّذي قال: "تعلّموا منّي لأنّي وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم."  ما هو الأسلوب الّذي اتّبعه يسوع في القيادة، والّذي يجب على المسيحيّين أن يتبنّوه ويطبّقوه؟  إنّه أسلوب الاتِّزارِ بالمنشفة وحملِ المغسل والانحناءِ لغسل أرجل التّلاميذ.  

يجد القائد المسيحيّ في إنجيل يوحنّا، الإصحاح الثّالث عشر، القوّةَ الدّافعة إلى خدمة الآخرين وكسر قيود الذّات والأنانيّة المناوئة لروح الخدمة.  يكشف البشير يوحنّا بضع حقائق عن يسوع سبقت مغامرته المسمّاة بغسل الأرجل.  تشير هذه الحقائق إلى السّرّ الّذي يجعل من خدمة القائد مخاطرة حقيقيّة: إنّها المعرفة الواثقة للذّات والدّعوة والنّتائج المترتّبة.  لقد عرف يسوع أنّ الآب، المسيطر على كلّ شيء في حياته وخدمته، قد دفع بين يديه كلّ سلطان.  وعلم أيضاً أنّ مركزه فائق لأنّه ابن الله، وأنّ رسالته إلى العالم مميّزة لأنّ الآب مصدرها، فلقد أتى من عنده، ووثق بأنّ ما يفعله هو جزء ضروريّ من خطّة الآب لحياته.  وعرف أخيراً أنّه سيعود إليه، أي إلى مكانته كأقنومٍ ثانٍ من اللاّهوت.  إنّ معرفته الواثقة هذه جعلته قادراً على تجسيد ما أرسله الله من أجله، أي أن يخدم الآخرين ويبذل حياته في سبيلهم.

عندما يدرك القائدُ المسيحيّ هذه الحقائق، تصبح هذه الأخيرة مصدرَ قوّةٍ تدفع به إلى مغامرة الخدمة ومخاطر التّضحية، واثقاً بأنّ إيمانه هو في إلهه وليس في ذاته.  أمّا حين يشيح ناظريه عن رئيس إيمانه، فعندها يُفني ذاته بالدّفاع عن حقوقه وحماية ذاته ومصالحه.  إنّ القيادة في ملكوت الله، بحسب يوحنّا 13، تنبع من ثياب خادم ورُكَب مُنحَنية.  هي ليست مغنماً يناله القائد، أو مركزاً يسعى له، ولا شهادة يحصّلها، أو وظيفة يختارها، إنّما هي شخصيّة يبنيها في ذاته،  تنمو بوساطة الشركة اليوميّة والحميمة مع "السيّد" الّذي جاء ليَخدُم لا ليُخدَم.  يُظهر مثالُ يسوع أيضاً تعريفَه القوّة؛  فهي في  ملكوت المسيح، ليست رئاسة سلطويّة، بل خدمة طوعيّة.  إنّها التّكريس الذاتيّ لخدمة مقاصد الله ومنفعة الآخرين، وهي الإيمان الواثق بأنّ قوّة الله تكمل في الضّعف.  وعلى هذا الأساس قدّم يسوع ذاته للعالم جسداً مكسوراً ودماً مسكوباً.

من الضّروريّ أن يُدرك المسيحيّون أنّ شخصيّة القائد، الّتي تنمو إلى قياس قامة ملء المسيح، هي منهج يتعلّمه القائد وسلوك يتدرّب عليه.  ويعالج القسم الأخير من هذه المقالة المواصفات الشّخصيّة والسّلوكيّة للقائد الخادم. 

ثالثاً: مواصفات القائد الخادم

يجب أن يكون القائد المسيحيّ عظيماً في شخصيّته.  إنّها شخصيّة "الرّاعي الصّالح الّذي يبذل نفسه عن الخراف،" أي إنّها قيادة على غرار عمل المسيح.  هذا النّوع من القيادة لا يكتمل بمجرّد إصدار الأوامر لشعب الرّبّ، بل بإطعامه وتغذيته.  والسّؤال هنا هو كيف يكون الخادم قائداً على مثال المسيح، فيغذّي شعب الله؟ 

يعرض الكتاب المقدّس مواصفات القائد الكنسيّ في 1تيموثاوس3: 2-7،  ويتحدّث عن مواهبه في رومية 12   و 1كورنثوس 12 و أفسس 4.  لكنّ هذه المقالة المتخصّصة في مثال المسيح وفكره تعود إلى فيلبّي 2، لكي تشدِّد على "فكر" المسيح في الخدمة.  لقد علّم يسوع تلاميذه أنّ القيادة في ملكوته هي درب آلام، "حتّى الصّليب."  قال يسوع إنّ مَن يريد اتّباعه عليه أن يميّز ما بين "الرّغبة" و "الواجب،" فيُنكِر نفسه ويحمل صليبه في كلّ يوم.  يسعى الإنسان عادة ليتمِّم رغبته أكثر من واجبه.  لكنّ واجب القيادة الّذي يضعه المسيح ليس مطلباً اعتباطيّاً، بل هو مبدأ أساسيّ: قائمٌ على الخدمة وبذل النّفس فدية.  يصوِّر يسوعُ ملكوتَه كمجتمع خدّام حيث الكبير يخدم الصّغير، والعظيم يرفع الذّميم، والقويّ يسند الضّعيف.  وقد كان وقع هذا المبدأ كالصّاعقة في آذان التّلاميذ الّذين توقّعوا الوصول إلى مركز النّجوميّة المتفوّقة مع يسوع، وإذا به يقدّم لهم سلطاناً ممزوجاً بالألم والخدمة.  تسطع النّجوميّة في الكنيسة المسيحيّة بالخدمة المضحِّية، وليس بالرّئاسة المتفرِّجَة.  إنّ القائد المسيحيّ هو عبد متألِّم، يضع نصب عينَيه المبادئ السّبعة الآتية المأخوذة من كتاب "Jesus on Leadership" لـ "ويلكز": 

1.   التّواضع (لو14: 7-11).

2.   اتِّباع المسيح وليس البحث عن مركز (مر10: 32-40).

3.   نبذ الحقوق الذّاتيّة في سبيل خدمة مصالح الآخرين (مر10: 42-45).

4.   الاتّكال على الله المسيطر على الحياة (يو13: 3).

5.   الاتِّزار بالمنشفة لتسديد احتياجات الآخرين (يو13: 4-11).

6.   مشاركة المسؤوليّة والسّلطة مع الغير للوصول إلى أسمى الغايات (أع6: 1-6).

7.   مضاعفة المهامّ بتكليف الآخرين بالقيادة وتدريبهم عليها (خر18: 17-23).

كلمة أخيرة

تختلف القيادة في ملكوت الله عن مثيلاتها في العالم.  فالقادة المسيحيّون يتبعون مثال المسيح وينسجون على منواله،  ويسَرّون بلقب الخادم ومهامّه، لكي يمجّدوا الله ويؤهِّلوا آخرين للخدمة مكوّنين بذلك فريقاً متجانساً.  ينسى النّاس أنّ القيادة الكتابيّة هي امتياز يحمل مسؤوليّة تليها محاسبة: امتياز بسبب الصّفات الذّاتيّة الّتي يسعون لامتلاكها، ومسؤوليّة تجاه الله والرّعيّة وباقي الخدّام، وحساب يقدّمونه أمام كرسيّ المسيح عن خدمتهم وعن الّذين يخدمونهم (عب13: 17).