القلق عملة ذات وجهين

الكاتب:
العدد:
السنة:

قلق، خوف، "فوبيا"، تشنّج...

تقنيًّا، هذه الكلمات المختلفة المعاني، إنّما تصف واحدة من أهمّ مشاكل مجتمعاتنا الحاليّة.  هلّ من حلّ؟

القلق عملة ذات وجهين

لعلّ السّبب الكامن وراء معظم المشاكل الّتي يتعامل معها الطّبّ النّفسيّ هو القلق، فإنّ غالبيّة الأمراض النّفسيّة تنطلق منه، وتأخذ شتّى المناحي، فتظهر في عوارض متعدّدة وردّات فعل سلبيّة وعنيفة.  إنّ القلق يرافق الإنسان منذ الصّغر، فهناك قلق الطّفولة، وقلق المراهقة، وقلق الرّشد، وقلق الشّيخوخة.  وللقلق أسباب كثيرة، منها الصّراعات النّفسيّة في اللاّوعي، أو قلق الوالدين، أو صراعات الطّفولة، أو المشاكل والأوضاع السّائدة في عصرنا، والحاجات غير المسدّدة، والمخاوف، والتّهديدات...

يُعتبر القلق حالة طبيعيّة عند النّاس، إذا لم يكن بسبب أوضاع صحّيّة متدهورة.  أمّا القلق الزّائد، فيمكن أن يُحدِث آثارًا سلبيّة وقاسية، قد تؤدّي إلى الشّلل في العديد من الحالات.  ونعني بالقلق الزّائد ذاك الّذي لا يعود باستطاعة الإنسان أو الجماعة السّيطرة عليه.  لذا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الضّغط العصبيّ والقلق الشّديدَيْن يمكن أن يتسبّبا بالقرحة أو الصّداع أو الطّفح الجلديّ أو أوجاع الظّهر أو الاضطراب المعَوِيّ أو ضيق التّنفّس أو الأرق أو الإجهاد أو فقدان الشّهيّة.

لكنّ القلق يُفرِز أحيانًا آثارًا نافعة، فقد يشكّل، على سبيل المثال، دافعًا إيجابيًّا لدى الإنسان؛ فعندما يسيطر هذا الأخير على المواقف الّتي تسبّب القلق، يقبل التّجربة بفرح، وهذا يحثّه على تحقيق أهدافه وطموحاته ويدفعه إليها.  وحيث لا قلق، تبدو الحياة مملَّة وغير ممتعة؛ وهذا من الأسباب الّتي تجعل بعض الأشخاص ينتظرون ساعات أفلام الرّعب الّتي يشاهدونها على الشّاشات، ليشعروا بالخوف والقلق حتّى الموت.

والقلق يدفعنا أيضًا إلى طلب معونة الله أحيانًا، وهو أمر قد لا نفعله في غياب القلق.  لكن، يمكن للقلق أيضًا أن يُبعدنا عن الله عندما نكون في أمسّ الحاجة إليه.  فقد يجد الأشخاص المؤمنون، حين يعصرهم الهمّ وتُلهيهم الضّغوطات، أنّهم لا يقضون وقتًا كافيًا في الصّلاة، وأنّ قدرتهم على التّركيز في قراءة الكتاب المقدّس قد ضعفت، وأنّ اهتمامهم باجتماعات العبادة في الكنيسة قد قلّ.

علّمنا الرّبّ يسوع في عظته على الجبل، أنّ علينا ألاّ نكون قلقين بسبب الحاجات الأساسيّة كالطّعام والملبَس، أو بسبب المستقبل؛ لأنّ لدينا، بحسب قوله، أبًا سماويًّا يعرف ما نحتاج إليه وهو سيوفّر احتياجاتنا (متّى 25: 6-34). 

فبدلاً من القلق، يتوجّب على المؤمن أن يُحضِر طلباته أمام الله متيقِّنًا من أنّه يهتمّ به (فيلِبّي 4: 6-7)، وينصرف إلى خدمة الآخرين والاهتمام بهم، فهذا اهتمام (قلق إيجابيّ) لا يُدان عليه (2كورنثوس 11: 28).

أخيرًا، نستطيع القول إنّ القلق هو عملة ذات وجهَين.  القلق المعتدل في حياتنا، وهو جيّد، أمّا تجاهل الخطر، فحمق وخطأ.  ولكن، من الخطأ أيضًا وغير الصّحّيّ أن نترك الهمّ المفرط يشلّنا، إذ يجب أن نسلّم هذا الأمر بالصّلاة إلى الله الّذي يستطيع أن يحرّرنا من الخوف أو القلق غير الضّروريّ، لكي نتعامل بطريقة واقعيّة مع حاجاتنا وحاجات الآخرين، وذلك لخيرنا وخيرهم.

AddToAny