الكبرياءُ الرّوحيّ ونتائِجُه المدَمِّرَة

العدد:
السنة:

"قَبْلَ الْكَسْرِ الْكِبْرِيَاءُ، وَقَبْلَ السُّقُوطِ تَشَامُخُ الرُّوحِ" (أمثال 16: 18).

إنّه لشعورٌ مؤلِمٌ يختبره المؤمن حين يسقط في الخطيّة جرّاء كبريائه الرّوحيّ. وهذا ما حصل تمامًا مع بطرس الرّسول. فالمسيح اختاره ليكون من تلاميذه المقرّبين إليه، واصطحبه مع يعقوب ويوحنّا حيثما ذهب. وبطرس هو الأكثر حماسةً واندفاعًا بين الرّسل. ولأنه المتقدّم دائماً في الكلام، أكّد للمسيح عندما سألهم عمّن يظنّون أنّه يكون، قائلاً: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ". عندها مدحه أمام الباقين. ومرّة أخرى قال ليسوع: "يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ". كان بطرس مدهشًا في بصيرته الرّوحيّة واعترافات إيمانه. وطلب في إحدى اللّيالي العاصفة من المسيح أن يأمره بأن يأتي إليه على الماء وهم في وسط البحر، فكان له ما أراد. ويبدو أنّ هذه الاختبارات الفريدة زادته ثقةً بنفسه حتّى قال للمسيح مرّةً "إِنِّي أَضَعُ نَفْسِي عَنْكَ". وأراد المسيح في ليلة الفصح أن يعلّمهم درسًا في التّواضع والخدمة لكنّ بطرس رفض أن تُغسَل رجلاه. بيد أنّ ثقته القويّة بنفسه جعلته يتخطّى حدوده، إذ حاول مرّةً أن يُحوّل أنظار المسيح بعيدًا عن الصّليب فانتهره يسوع قائلاً "إذهب عنّي يا شيطان". كما إنه انتفض في جبل الزّيتون عندما أخبر يسوع للتّلاميذ بأنّهم جميعهم سيشكّون فيه، وقال "وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَدًا". وهكذا تظهر مزايدته على بقيّة الرّسل بمحبّته للرّبّ. لكنّ المسيح عاد وأكّد له بأنّه سينكره ثلال مرّات، فاعترض قائلاً: "وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ". وحين أُلقِيَ القبض على المسيح، لم يختبئ بطرس كبقيّة التّلاميذ بل ذهب متخفيًّا إلى دار رئّيس الكهنة. وهناك عندما افتُضِح أمره، أنكر الرّبّ ثلاث مرّات ولعن وحلف بأنّه لا يعرفه.

لا شكّ في أنّ بطرس أحبّ المسيح من كلّ قلبه وعاش حياةً مكرّسةً لشخصه وترك كلّ شيء من أجله، إلاّ أنّ هناك شيئًا لم يتخلَّ عنه وهو "الأنا". رأى نفسه أفضل من كلّ التّلاميذ، وظنّ أنّ محبته للرّبّ وخدمته وتكريسه أمور نابعة من ذاته ناسِيًا أنّ كلّ ما له هو من خالقه. من أجل ذلك، سمح الله بأن ينكره ليس لإذلاله أو تحطيمه بل ليتخلّى عن ثقته القويّة بنفسه كي يستخدمه أكثر في الخدمة. نظر إليه نظرة محبّة وغفران عندما أنكره، ممّا حمله على الاندفاع خارجًا والبكاء بكاءً مرًّا. وهكذا ردّ إليه المسيح اعتباره أمام التّلاميذ الّذين ربّما لاموه أو عيّروه عندما طلب منه أن يرعى خرافه. بقي بطرس نافعًا للمسيح الذي استخدمه كثيرًا في الكرازة والرعاية والكتابة.

يشكّل اختبارَ بطرس درساً لجميعنا فنتعلّم التّواضع أمام الله. صحيحٌ أنّ يسوع سامحه وأعاد إليه كرامته، إلاّ أنّ هذه التّجربة كسرته بالكامل. ورغم كلّ الانتصارات المجيدة الّتي حقّقها فيما بعد لم يَرتفِع قلبُه بل بَقِيَ متواضِعًا. لقد تعلّم أن يتّكل على الله وأدركَ بأنّه لا يقدر أن يفعل شيئًا من ذاته. وإن كلّ ما هو صالح فيه ليس موجوداً إلا بفضل نعمة الله عليه.

AddToAny