الكلمات الأخيرة لصبيّة تواجه الموت

العدد:
السنة:

"بابا ... ماما ... أنا مدينةٌ لكما بالشّكر لأنّكما علّمتماني كيف أعيش حياةً كريمةً ... فها أنا أغادر الأرض، والظّلام يُحيط بي، ولن يُفيدُني كلّ ما تعلّمته عن الحياة السّعيدة في لحظات موتي الرّهيبة. أنا خائفة ومرتعبة ولا أعلم ماذا سيُصادفني بعد الموت. ليتني ما تعلّمت كيف أعيش في أحلامٍ وأوهامٍ، بل تعلّمت كيف أموت في هدوءٍ وسلام".

هذه صرخة ألم حقيقيّة لفتاةٍ في ربيع عمرها. فسوزان فتاةٌ مصريّةٌ نشأت في عائلةٍ راقيةٍ جدًّا، ونالت كلّ مشتهى قلبها. في طفولتها، غُمِرَت باللّطف والحنان ولم ترغب في شيء إلا وحصلت عليه. حصلت في المرحلة الثّانويّة على مجموع 93.2 بالمئة لتحقّق بعد ذلك حلمها الأوّل بعدما تمّ قبولها في كلّيّة الصيدلة. لكن الفرحة لم تَدُم طويلاً إذ أُصيبت، بعد أربعة أشهرٍ على دخولها الكلّيّة، بمرض السّرطان. وها إنها تواجه الآن أخطر مرض على الإطلاق، كما أنّها تواجه أبديّة غير مضمونة. وقعت كلماتها هذه كالصّاعقة على مسامع أهلها ولا سيّما والدها الّذي اغرورقت عيناه بالدّموع وعجز تماماً عن تمالك نفسه. ضحّى بحياته في سبيل ابنته الوحيدة، وهي الآن على شفير الموت ولا يقدر أن يمنحها السّلام الّذي تطلبه. 

كم مرّةٍ سمعنا كلماتٍ مشابهة لصرخة سوزان من أشخاصٍ أعزّاء على قلوبنا وهم على فراش الموت. سعوا في حياتهم إلى تحقيق ذواتهم، ونيل الشّهادات العليا، وتبوّق المناصب المرموقة، وتحصيل المال، وجمع الثّروات لنيل نوع من السّلام والسّعادة والإكتفاء الذّاتي. وتربّص بهم الخوف لدى مواجهتهم الموت وانتفى لديهم أيّ رجاء بالقيامة. طلبوا السّلام ولم يجدوه.

"الْكُلَّ بَاطِلٌ وَقَبْضُ الرِّيحِ"، هذا ما قاله سليمان الحكيم. فهو مَلَكَ على إسرائيل. وتعاظم على كلّ ملوك الأرض في الغنى والحكمة، ولم يُمسك عن عينه كلّ ما اشتهته. حتّى أنّه لم يمنع عن قلبه كلّ فرح. ومع ذلك، اعترف بأنّ الكلّ باطل وقبض الرّيح. ما يعني أنّ الملذّات والإنجازات الأرضيّة، مهما عظُمَت، لا تقدر أن تمنحنا الفرح الحقيقيّ والسّلام الدّائم. لذا دعا الشّاب إلى أن يتّقي الرّب ويحفظ وصاياه، لأنّ هذا هو الإنسان كلّه (جا 12: 13).

ما من طمأنينة أو سلام قبل أن يتصالح الإنسان مع خالقه. فالعالم بمغرياته ووعوده الكاذبة لا يُقدِّم لنا إلا سلامًا مُزيّفًا. أمّا السّلام الحقيقيّ فهو الّذي وعدنا به المسيح إذ قال "سَلاَمًا أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلاَمِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلاَ تَرْهَبْ" (يو 14: 27). قلوبنا مطمئنّة لأنّ المسيح انتصر على الموت، وبقيامته صارت لنا قيامة ورجاء بالحياة الأبديّة.  وكلّ من يلبّي الدّعوة ويُقبِل إلى المسيح تائبًا عن خطاياه، وطالبًا منه الصّفح عنها، ومتّخذًا إيّاه ربًّا ومخلّصًا على حياته يحصل على هذا السّلام. عندها يقدر أن يواجه الموت قائلاً: "أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟" (1كو 15: 55).                      فما أجمل من أن يكون الإنسان ضامنًا لأبديّته ومستعدًّا في أي لحظة للقاء إلهه.

AddToAny