الكلمة للتّاريخ

الموضوع:
العدد:
السنة:

لقد عشتُ سنوات الحرب بأكملها في لبنان، وكم كنتُ أودّ لو أسافر إلى بلد آخر أنعم فيه بالسّلام.  لكنّ ضيق الحال منعني من ذلك، فتعرّضت لما تعرّض له أترابي من ضيق شجّعني على ألاّ أتنكّر لهويّتي.  فهَمَمتُ بقراءة تاريخ بلدي، والكتب الّتي تتحدّث عن الأحوال السّابقة، فرأيت أنّها لم تكن أفضل ممّا مرّ علينا مؤخّراً، باستثناء حالة واحدة عرفها لبنان زمن الأمير فخر الدّين، الّذي حكم البلاد من دون تمييز بين مواطن وآخر.

وبينما كنت أقرأ، لاحت في خاطري كلمة الفيلسوف الألماني "هيجل": "إنّ التاريخ يُعلّمنا أنّ الإنسان لم يتعلّم شيئاً من التاريخ"؛ فهذا الأخير، بحلوه ومرّه، يكتبه الإنسان.  قد كتبه فلبابليّون منذ زمن بسيوفهم وأقواسهم، وسجّلوا انتصاراتهم في الحجارة.  ثمّ كتبه الفراعنة بمقابرهم الّتي تشهد على عبقريّة الإنسان في ذلك الزّمان.  وهكذا نرى أنّ الملوك كتبوا عن مآثرهم لتمجيد أنفسهم وتخليد ذكراهم.  والتاريخ المقدّس أيضاً كتبه الأنبياء والكتبة والقدّيسون، ليبقى لنا شهادة لمعاملات الله مع شعبه، والرب قد حفظ هذا التاريخ أيضاً.  نقرأ في سفر ملاخي: "حينئذٍ كلّم متّقو الرّبّ كلّ واحد قريبه والرّبّ أصغى وكتب أمامه سفر تذكرة للّذين اتّقوا الرّبّ وللمفطرين في اسمه" (ملا 3: 16). 

وقد حفظ القدماء التّاريخ من التّلف، كلّ واحد على طريقته: في المغاور، أو الجرار، أو على الصّخور، ونراه اليوم في المتاحف حيّاً ومحفوظاً لنا.  وهكذا نرى أنّ المكتوب لا يموت، وكذلك المنطوق به.  قيل بالفرنسيّة: “L’onde ne meurt pas”،  أي أنّ الذّبذبة الّتي يحملها الأثير لا تموت، بلْ تستمرّ.  ولربّما يأتي اليوم الّذي يتوصّل فيه العلم، إلى اختراع آلات يركّبها في سفن فضائيّة، ويُرسلها إلى الفضاء الخارجيّ، فتسبر أغوار الكون المترامي الأبعاد وتجمع كلمات العظماء وغير العظماء الّذين مرّوا على الأرض ومواعظهم وآراءهم. 

من المؤكّد أنّ الكلمة لا تموت على الرّغم من كلّ العوامل، وتاريخها يشهد على ذلك، خصوصاً إذا انبعثت من العقل السّليم، وهنا كلّنا يحمل مسؤوليّة كلامه.  فعلينا أن ننتبه إلى عدم التكلّم كالأطفال، أي ألاّ نتكلّم لمجرّد التكلّم، بل أن نضعَ ضوابِطَ لألسِنَتِنا لأنّنا كبرنا وصرنا مسؤولين وناضجين، وعلينا أن نعيش بموجب ما نقوله (1كو 13: 11)، فالكلمة هي وسيلة للحياة أو للموت.  قال يسوع عن كلامه: "الكلام الّذي أُكلّمكم به هو روح وحياة" (يو 6: 63).  وبالحقيقة، لقد كان كلام يسوع سبب حياة للملايين من البشر الّذين "غلبوا إبليس بدم الخروف وبكلمة شهادتهم" (رؤيا 12: 11)، ولم يمنعهم الاضطهاد ولا السّجن من التكلّم بكلمة الرّبّ.  لقد منعت السّلطات "يوحنا بنيان" عن التّبشير في الطّرقات، فصار يعظ داخل السّجن وعبر نوافذه.  كذلك كانت إحدى القدّيسات، والّتي قد سُجنت لأجل إيمانها وبسبب شهادة كلامها، تحفر بأظافرها آيات الإنجيل على جدران السّجن، لتُعاود التأمّل فيها وفي إلهها الأمين.  أمّا الّذين استشهدوا لأجل اعترافهم، فقد تحوّل دمهم بذاراً للكنيسة، من دم هابيل الصدّيق إلى آخر شهيد سُفِكَ دمه من أجل المسيح.  لقد كان كلّ واحد منهم "وإن مات يتكلّم بعد" (عب 11: 4).

لا يقوى أحد على قوّة الكلمة، الّتي تتواصل من خلالها روح المتكلّم مع روح سامعه.  فالوثنيّة في أوروبا لم تصمد أمام رسالة بولس الرّسول، الّذي حمل إليها كلمة الله عبر"ليديا" في فيلبّي.  هكذا كانت طريقة يسوع الّذي خاطب النّاس بكلمة الله، وذلك من دون تمييز بين شحّاذ أعمى يجلس على قارعة الطّريق ومُعلّم من الفرّيسييّن يجلس في المجمع.  فكلمة الله للإنسان تصنع تاريخ حياته ومستقبله، وتستمرّ بفعاليّتها من دون توقّف، وبحسب وعد الله القائل: "لأنّي ساهرٌ على كلمتي لأجريَها" (أر 1: 12). 

وتبقى الشهادة للمسيح نضرة وفعّالة، وشعلة الإيمان زاهية مضيئة.  لتُكتب الكنيسة وتبقى في ضمير العالم وأفراده، بأصابع النّور الإلهيّ، تاريخ معاملات الله مع شعبه.  فآلة الحرب تكتب تاريخها في العالم، وكلمة الله تكتب تاريخ الله في القلب البشريّ الّذي هو غاية الله؛ والغلبة دائماً لكلمة الله.  صلاتي أن تبقى "رسالة الكلمة" باباً واسعاً للوصول إلى الإنسان، ولمتابعة رسم صورة الله فيه بحسب نموذج الكلمة المقدّسة.

AddToAny