الكنيسة المسيحيّة في التّاريخ (الجزء الأوّل)

الكاتب:
العدد:
السنة:

يُشبه تاريخ الكنيسة نهرًا تدفّق من نبعٍ صغير في جدول جميل، ثمّ انساب في ساقية ذات ممرّ ضيّق. اتّسع الممرّ مع الزّمن وكبر النّهر وأصبح بحيرة تفرّعت منها جداول جديدة. إنّ تدفّق النّهر لا يزال مستمرًّا وفروعه لا تزال تتباعد والأحداث المختلفة لا تزال تصبّ فيه. يظهر أحيانًا محدودًا، ويبدو في بعض الأحيان نهرًا كبيرًا ينطلق متحدّيًا الزّمان والمكان. لقد أسّس الله الكنيسة لتحمل خطّته الفدائيّة للعالم. وقد اجتازت في سبيل ذلك مراحل عديدة ومهمّة؛ وكان الله يعمل من خلال أناس عاديّين. تاريخ الكنيسة عبر الأجيال هو تاريخ حيّ لصراع حقيقيّ وانتصار مجيد. إنّه قصّة رجال ونساء حملوا الصّليب ووضعوا أعناقهم تحت نير المسيح وخدموه بأمانة. إنّه يحدّثنا عن نموّ الإيمان المسيحيّ وتقدّمه، ويزوّدنا بدروس للحاضر وبعِبَر وتوجيهات للمستقبل.

تاريخ الكنيسة موضوع كبير ومثير، يدرسه طلاّب اللاّهوت في مدى أشهر طويلة ويظلّون واقفين على الأعتاب. تُسلِّط هذه المقالة الضّوء على بعض الأحداث الهامّة الّتي أثّرت في نموّ إيمان الكنيسة في الحقبة الأولى من وجودها. ينقسم التّاريخ الكنسيّ المبسَّط إلى حقبات ثلاث: (1) عصر البداية، من يوم الخمسين إلى سنة 600م؛ (2) العصور الوسطى، من 600 إلى 1517م؛ (3) العصر الحديث، من 1517 إلى الوقت الحاضر.

عصر البداية، وهو حقبة العيش في الإيمان، يمكن وضعه أيضا في أجزاء ثلاثة: (1) الكنيسة في أورشليم، من يوم الخمسين حتّى 64م؛ (2) الكنيسة تحت الاضطهاد، من 64م إلى 312م؛ (3) الكنيسة الرّسميّة، من حكم قسطنطين حتّى 600م.      

انطلقت الكنيسة من حياة الرّبّ يسوع المسيح وخدمته. أعطى المسيح تلاميذَه مأموريّته العظمى، وهي أن يذهبوا إلى العالم أجمع ويكرزوا بالإنجيل لكلّ الأمم. فانتظروا في أورشليم لينالوا قوّة من الأعالي تُعينهم في تنفيذ هذه المهمّة. في يوم الخمسين انسكب الرّوح القدس ووُلِدَت الكنيسة. نقرأ عن ذلك في الأصحاح الثّاني من أعمال الرّسل.

عاشت الكنيسة الأولى في عبادة مستمرّة للرّبّ. فكان المؤمنون يواظبون على تعليم الرّسل والصّلاة في كلّ يوم. يُخبرنا سفر الأعمال عن الرّسولَين بطرس ويوحنّا أنّهما دخلا إلى الهيكل في ساعة الصّلاة التّاسعة، والتقيا برجل أعرج فصلّيا من أجله وشُفي، فآمن كثيرون لمّا أبصروه وهو يمشي ويسبّح الله. امتدّت هذه الخدمات الرّوحيّة، وكان النّاس يرون أعمال الله العظيمة بواسطة الرّسل فيؤمنون. لقد كانت المعجزات عملاً شائعًا من أعمال الرّوح القدس في الكنيسة الأولى.

تمتّعت الكنيسة الأولى أيضًا بالشّركة الأخويّة. تتلخّص الحياة الكنسيّة آنذاك في عبارات ثلاث: (1) إيمان قويّ وشهادة فاعلة ومُفحِمة ليسوع الّذي مات وقام؛ (2) طهارة في السّلوك؛ (3) مواقف مَحَبّة عمليّة. لقد كان هناك وحدة في الرّوح واهتمام بحاجات أعضاء جسد المسيح.  

لم تُباشِر الكنيسة امتدادها من أورشليم إلى اليهوديّة والسّامرة وأقصى الأرض، كما أمر الرّبّ، إلاّ بعد موت استفانوس (أعمال ص7). لقد شتّت الاضطهاد أعضاء الكنيسة الأولى. لكنّهم حيثما حلّوا كانوا يكرزون، والّذين يسمعون يؤمنون. ثمّ بدأت الكنيسة تقبل في عضويّتها أناسًا غير يهود بحسب اتّفاق المجمع الأورشليميّ (أعمال ص15). إنّ سفر الأعمال هو سجلّ تاريخ الأيّام الأولى في الكنيسة حتّى عام 64م تقريبًا. في هذه الأثناء، اجتاز المؤمنون اضطهادًا عنيفًا من قبل الإمبراطور الرّومانيّ نيرون. كان رَجْم استفانوس إذًا بداية الاضطهاد الّذي راح يزداد ويتضاعف لمدّة 300 سنة. بدا وكأنّ الرّبّ يمتحن وحدة الكنيسة وإيمان أعضائها. كانت الاضطهادات في البداية محلّية وخفيفة. لكنّها ما لبثت أن عنفت وانتشرت في أرجاء الإمبراطوريّة الرّومانيّة في حكم الإمبراطور ديشيوس في عام 250م. وعلى الرّغم من ذلك، كانت الكنيسة عند نهاية فترة الاضطهاد قد امتدّت في طول الامبراطوريّة وعرضها ووصلت إلى إنكلترا وأوروبا وشمال أفريقيا والشّرق الأقصى.

          من العوامل الّتي امتحنت وحدة الكنيسة وإيمانها، في تلك الفترة، كان، أوّلاً، موت الرّسل. لقد همد الصّوت الحيّ وتوقّفت السّلطة المختصّة بالإنجيل مع موت الرّسل. تُرِكَت الكنيسة مع تقاليد متعدِّدَة ومختلفة، شفويّة ومكتوبة، تشرح ماذا قال المسيح وماذا فعل. ممّا دعا قادة الكنيسة إلى عقد مجامع واتّخاذ قرارت وصوغ قوانين إيمان. العامل الثّاني هو التّعاليم الفاسدة. لقد هدّد المعلّمون الكذبة الكنيسة من الدّاخل. طرح بعضهم أسئلة حول طبيعة الله، وشخص المسيح، وعقيدة الخلاص. دافع قادة عظام، أُطلق عليهم لقب الآباء، عن تعاليم يسوع الحقيقيّة والأصيلة. كان لهؤلاء تأثير كبير في تفكير الكنيسة وإيمانها، في الأربع مئة سنة الأولى من وجودها وحتّى اليوم. أمّا العامل الأخير فهو الاضطهاد الّذي هدّد الكنيسة من الخارج، وبدأ يقسو، حين رفضت الكنيسة عبادة الامبراطور والآلهة الرّومانيّة الّتي اعتقد الرّومان بأنها جلبت لهم السّلطة والعَظَمة. لكنّه فشل في تحطيم الكنيسة وملاشاتها؛ فنَمَت وامتدّت وازداد ايمان المؤمنين صلابة فالتصقوا بالرّبّ أكثر، وقدّموا حياتهم واستشهدوا للرّبّ يسوع المسيح.

استلم الامبراطور قسطنطين الحكم عام 306م، وأصدر في سنة 313م قانون التّساهل الدّينيّ الّذي وهب الكنيسة حرّية العبادة العلنيّة، وسمح لها بامتلاك الأراضي وبالحكم الذّاتيّ. فنالت الكنيسة نعمة وحظوة واستحسانًا من الحكومة الرّومانيّة. كان هذا بداية التّغيير الّذي قاد إلى تحوّلات جذريّة في طبيعة الكنيسة وفي عبادتها وفي خدمتها وفي شهادتها. عند انتهاء هذه الحقبة كانت الكنيسة قد اختلفت كثيرًا عن الكنيسة الاولى في أعمال الرّسل. فلم تعد مكوَّنَة من شرِكَة روحيّة لمؤمنين متساوين، وصار الأسقف هو الكنيسة، وهكذا وُلِدت الهيرارخيّة الإكليريكيّة الّتي فصلت بين خدّام الكنيسة (الأساقفة والشمامسة) من جهة، وعامّة الشّعب من جهة أخرى، ممّا أوصل الكنيسة إلى زعامة دينيّة تسود على العالم، في الحقبة الثّانية من تاريخها، أي في العصور الوسطى.

وهكذا، نرى أنّ الكنيسة بدأت بقوّة الرّوح القدس وأصبحت عند نهاية العصر الأوّل منخرطة في السّياسة وفي قبضة الامبراطور. لقد قُبِلَت من الامبراطوريّة الرّومانيّة لكنّها أيضا قَبِلَت تغييرات جذريّة في طبيعتها. وهكذا، بدأ الهبوط الرّوحيّ تدريجيًّا واتّسع، وساعدت عوامل اجتماعيّة وسياسيّة عدّة على ضعف الكنيسة الرّوحيّ.

(يُتبع في العدد المقبل)

AddToAny