الكنيسة المسيحيّة في التّاريخ - الجزء الثّاني

الكاتب:
العدد:
السنة:

حقبة التّوافق مع العالم (600م – 1517م)

تُعرَف الحقبة الثّانية من تاريخ الكنيسة بالعصور الوسطى. بدأت هذه الحقبة مع الأسقف "غريغوريوس الأوّل" الّذي أصبح بابا روما في العام 590م. نالت الكنيسة في أيّامه قوّة عظيمة كمؤسّسة. انتهت هذه الحقبة بالإصلاح البروتستانتيّ الّذي صحّح بعض المفاهيم الخاطئة وأعاد تنظيم الشّؤون الكنسيّة بشكل يتوافق مع تعاليم الكتاب المقدّس. تتميّز هذه الفترة بنواحٍ ثلاث كان لها أثر كبير في نوعيّة الخدمة الكنسيّة وشكلها: الوحدة بين الكنيسة والعالم أو اتّحاد السّلطتين الدّينيّة والزّمنيّة، والسّلطة المطلقة الّتي أُعطيَت للبابا والإكليروس، وانتشار الأديرة.

1.    كنيسة عالميّة

في المئة سنة الأولى من هذه الحقبة، أثّرت في الكنيسة حوادث سياسيّة كثيرة يصعب مناقشتها في هذا المجال. أمّا الأمر الّذي كان له الأثر الأعظم في الكنيسة، فهو نهوض القوّة والسّلطة فيها واتّحادهما مع القوّة والسّلطة الزّمنيّة، ممّا أفقدها تأثيرها الرّوحيّ كملح للأرض ونور للعالم. لقد انقلبت المقاييس وسيطر العالم على الكنيسة بدلاً من أن تغيّر الكنيسة العالم كما أمر المسيح.

لم تكن هناك حكومات قويّة ولا قادة أشدّاء في أوروبا بين القرنين الخامس والسّابع بعد الميلاد. ضعُفَت العاصمة الأسطوريّة روما، ولم تعد تقدِّم خدمات ذات شأن لمواطنيها. أصبح البابا الممثِّل الوحيد للحكومة المستقرِّة، فأتى إليه الجميع طلبًا للمشورة أو المساعدة. بدأت الكنيسة تُبدي رأيها في الأمور الزّمنيّة والسّياسيّة فراحت تنمو في القوّة.

كانت المسيحيّة قد اتّحدت، أو تزاوجت، مع الإمبراطوريّة الرّومانيّة عندما أعلنها قسطنطين الدّيانة الرّسميّة في الامبراطوريّة. فأصبحت مقبولة عالميًّا وعُرفَت ككنيسة جامعة أو عالميّة. تربّعت الكنيسة اللاّتينيّة على عرش روما في هذه الحقبة الطّويلة، وصار لها في بعض المناطق قوّة أعلى من قوّة الولاية. كان ذلك بداية ما يُعرف اليوم بالكنيسة الكاثوليكيّة الرّومانيّة. أصبحت الكنيسة قوّة سياسيّة ذات اهتمامات عالميّة زمنيّة، فتجاهلت إرساليّتها الّتي تُعنى بتتميم خطّة الله الفدائيّة وفشلت في إظهار قوّتها الرّوحيّة.

2.    قائد أرضيّ

النّموّ السّلطويّ يسانده عادة نموّ متوازن في القيادة. لقد صحّ ذلك بشكل خاص على رأس الكنيسة في روما آنذاك، فأُعطي لقب "بابا" مدّعياّ أنّ له سلطة على كلّ مسيحيّي الأرض. يقول التّقليد الرّومانيّ إنّ الرّسول بطرس كان أوّل أسقف على روما وبذلك يكون هو البابا الأوّل. لكن، ليس هناك ما يدعم هذا الادّعاء ويؤكّده. وافترض هذا التّقليد أيضًا أنّ بطرس هو "رئيس التّلاميذ"، لذا فهو يمتلك سلطة على سائر الكنيسة. يستخدم التّقليد مقطعين كتابيّين من أجل ذلك هما متّى 16: 18–19، ويوحنّا 21: 16–17.

دعمت الكنيسة الرّومانيّة هذه الادّعاءات بقوّة. أمّا الكنيسة الشّرقيّة فلم تفعل ذلك. وبعد أن تداعت الامبراطوريّة الرّومانيّة في القرن الخامس استمرّت الكنيسة قويّة. وامتلأ قادتها بالمطامع الشّخصيّة، ففشلت في تقديم قيادة روحيّة وبدأت تقبل العادات والممارسات الوثنيّة في صفوفها. وبينما كانت الكنيسة تنمو سياسيًّا كانت تضعف روحيًّا. مرّت سنوات طوال منذ أيّام الكنيسة الأولى، وازداد التّباعد عن نموذج العهد الجديد في العبادة وفي الخدمة وفي الشّهادة.

فمن ناحية العبادة حلّت الشّكليّات مكان الدّيانة الرّوحيّة. ولم تعُد اللّغة المستخدَمَة واضحة ومفهومة للعابد. و قيل إنّ الصّلاة لا يمكن أن تُوجّه مباشرة إلى الله، فأصبح الكاهن وسيطًا بين الله والعابِد. ومن جهة الخدمة، أصبحت تقاليد الكنيسة السّلطة العليا للإيمان والخدمة وليس الكتاب المقدّس. ولم تعد قراءة الكتاب المقدّس مسموحة لعامّة الشّعب والعلمانيّين. وادّعت الكنيسة سلطة نهائيّة على كلّ نواحي حياة الإنسان. بعد ذلك أضحى اهتمام الكنيسة الرّئيس أرضيًّا، وأُعطي للأمور الزّمنيّة أهميّة أكثر من المجهود التّبشيريّ؛ فصارت المسيحيّة إسميّة.

3.    الأديرة

ساعدت حياة التّنسّك على محاربة الانحدار الرّوحيّ في الكنيسة. انفصل بعض المتديّنين عن المجتمع فدُعوا نسّاكًا. اختار هؤلاء العيش في أماكن خاصّة وهادئة دُعيَت أديرة. لم يكن في كنيسة أعمال الرّسل نُسّاكًا ولا رهبانًا. عاش المسيحيّون الأوائل في عائلات وكانوا أعضاء في المجتمع. أمّا الظّروف الجديدة في الكنيسة والعالم فجعلت كثيرون يُنشدون الزّهد والتّنسّك طريقًا للحياة والخلاص. السّبب الأوّل في ذلك هو الانفصال عن العالم. عرف النسّاك أنّ ثمّة خطيّة في العالم وفي الكنيسة، وظنّوا أنّهم إذا أبعدوا نفوسهم عنها، أي إذا انفصلوا عن المجتمع وتحرّروا من صعوباته وقيوده، فسيعيشون حياة مسيحيّة أفضل، وبذلك ينالون الخلاص. أمّا السّبب الثّاني فهو نكران الذّات. أعطت حياة الأديرة فرصة لطلب القداسة. ظنّ النّسّاك أنّهم لكي يصيروا قدّيسين يحتاجون إلى رفض إشباع حاجات الجسد. فتخلّوا عن ممتلكاتهم، ولبسوا وعاشوا كالفقراء، ولم يتزوّجوا، وأكلوا قليلاً وناموا قليلاً، وعذّبوا أجسادهم كثيرًا. 

كان عدد النّسّاك والرّهبان يتزايد باضطراد. فشكّلوا مجتمعات خاصّة بهم في كلّ من أوروبا وشمال أفريقيا والشّرق الأوسط. وانتظموا في مجموعات مميّزة حكمتها أنظمة متشدِّدَة. أذكر منها البندكتيّون والفرنسيسكان والدّومنيكان. كان لهذه الأديرة أيضًا فوائد اجتماعيّة كبيرة. وأصبحت في أثناء الحروب ملجأ للنّاس، يهرعون إليها للحماية والأمان. كما كانت أيضًا مراكز للزّراعة والتّعليم. كثيرون من الرّهبان كانوا معلّمين ومُرسَلين.

في ختام هذه الجولة السّريعة على مرحلة العصور الوسطى من تاريخ الكنيسة لا بدّ من الإشارة إلى بعض رجال الكنيسة المهمّين الّذين برزوا فيها: فهناك "باتريك" في القرن الخامس الّذي بشّر بالإنجيل في إيرلندا، و"توما الأكوينيّ" في القرن الثّالث عشر الّذي كان لاهوتيًّا كبيرًا، و"ريمون لول" (Raymond Lull) المرسَل إلى شمال إفريقيا. ولا يجب ان ننسى المحتجّين على وضع الكنيسة أو ممارساتها الّذين دفعوا حياتهم ثمنًا لاحتجاجهم، وسأذكر منهم اثنين: الواعظ الغيور والبطل القوميّ في إنكلترا، "جون وكلِف" (J. Wycliffe) (1320-1384)، الّذي ترجم الكتاب المقدّس إلى اللّغة الإنكليزيّة إذْ وجد فيه "السّلطة العليا" الّتي يجب أن تحكم الشّؤون الكنسيّة وإيمان المؤمن الفرد وسلوكه. عزم "وكلِف" على إصلاح الكنيسة من الداخل، فاحتجّ على الضّرائب البابويّة والأملاك الكنسيّة وهاجم عصمة البابا وعقيدة الاستحالة، ووَعَظ عن الأسس الأخلاقيّة للقيادة الدّينيّة. أدانت الكنيسة آراءه وأُجبِر على التّقاعد في منزله. و"جون هص" (J. Huss) (1369-1415) من بوهيميا، الّذي كان تلميذًا مُدقِّقًا في الأسفار المقدّسة وراعيًا لكنيسة "براغ" وشغل أعلى المناصب في جامعتها. تزامن وعظ "هص" الجسور المُطالِب بالإصلاح مع تزايد المشاعر الوطنيّة في بوهيميا ضدّ سيطرة الامبراطوريّة الرّومانيّة المقدّسة على بلادهم. فاستدعاه البابا إلى مجمع "كونستانس" عام 1415 مع وعد بالحماية. لكنّ الوعد لم يُحتَرَم، وعندما رفض الرّجوع عن آرائه تمّ إعدامه حرقًا.

لقد نشأت في نهاية الحقبة الثّانية من تاريخ الكنيسة الرّغبة في إصلاح الكنيسة، وذلك في كلّ المدن الرّئيسيّة تقريبًا. كانت الدّوافع لذلك متعدِّدَة، أهمّها درس الكتاب المقدّس والنّهضة العلميّة والظّروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة وولادة القوميّات والجوع الرّوحيّ في قلوب النّاس.  (يتبع في العدد القادم).

AddToAny