المؤمن المسيحيّ والأحزاب السّياسيّة

العدد:
السنة:

مع مَن أنت؟ مَن تؤيّد؟ وإلى أيّ حزب تنتمي؟ كم نسمع هذه الأسئلة في أيّامنا هذه،

فالكلّ مُتحزّب ويريد أن يعرف انتماءات الجميع الحزبيّة وتوجّهاتهم السّياسيّة.

 

الأحزاب هي هيئات تحرّك القاعدة الشّعبيّة والمنتخِبين في البلد، وأحيانًا خارجه، نحو شؤون واهتمامات وأهداف مشتركة. فالأحزاب توصل صوت المواطنين إلى الدّولة لتحثّها على الاستجابة لمطالبهم، أو لما يراه الحزب مهمًّا ومُحقًّا. إذًا، أهداف الأحزاب الأساسيّة، هي مساعدة النّاس والوطن من أجل حياة أفضل.

ورُبّ سائل: إن كان للأحزاب أهداف سامية، لماذا يُحذّر الكتاب المقدّس من التحزّب؟ فبولس الرّسول خاف من أن يجد المؤمنين في كنيسة كورنثوس منقسمين تنهش بهم "الخصومات والمحاسدات والسّخطات والتّحزّبات". وهذه المشكلة لم تواجه كنيسة كورنثوس فقط، إذ كتب أيضًا إلى كنيسة فيلبّي يطلب إليهم أن يكون لهم فكر واحد ومحبّة واحدة مفتكرين شيئًا واحدًا، لا شيء بتحّزب. يعقوب أخو الرّبّ حذّر كذلك من أنّه حيث "التّحزّب" هناك التّشويش وكلّ أمر رديء. فهل نفهم من ذلك أنّ الكتاب المقدّس هو ضدّ الأحزاب و التّحزّب؟

مَن يدرس الكتاب المقدّس لا يرى أنّ يسوع دان الأحزاب وحرّض على مقاطعتها. أمّا ما دانه الكتاب المقدّس في الآيات المذكورة سابقًا لم يكن له علاقة بالأحزاب السّياسيّة، بل له علاقة بـِ"روح التّحزّب" المرتبطة بالخطايا التّالية: التّكبّر وذلك بالاعتقاد أنّنا أفضل من غيرنا من النّاس، والافتخار بمعتقدنا على أنّه الأصحّ دومًا، والخصام وعدم التّعاطي مع الآخرين ورفض التّحاور معهم، والسّخط الّذي يصبّ الغضب على مَن يختلفون معنا في الرّأي، والذّمّ والقدح والإساءة إلى سمعة الآخرين، والنّميمة الّتي بها نتّهم الآخرين زورًا، والتّشويش على الآخرين لإطفائهم وسرقة الأضواء لأنفسنا، والحسد والغيرة الّتي فيهما نُخرّب موقع الآخرين لنتقدّم عليهم.

أمام هذه التّحذيرات القيّمة، على المؤمن أن يسأل نفسه إن كان متورّطًا بروح التّحزّب المُدانة من الله، بغضّ النّظر إذا كان منتميًا لحزب سياسيّ أو لا. فهناك في الكنيسة مَن يتورّط بروح التّحزّب البشعة الّتي تجعله يُخرّب وحدة الكنيسة وسلامتها. وهناك مَن يستفيد من فرصة تباين الرّأي بين المُعلّمين ليتحزّب لأحدهم ضدّ الآخر، ومنهم مّن يستخدم شعارات روحيّة وأخلاقيّة مُعيّنة كغطاء لروح التّحزّب وأعماله. من هذه الرّوح الهدّامة يجب أن يحذر المؤمن.

ويبقى أن نُجيب إن كان بإمكان المؤمن أن ينخرط في أحزاب سياسيّة أم لا؟ فالكثير من "الحزبيّين" و"غير الحزبيّين" يتورّطون في خطايا التّحزّب من دون أن ينتبهوا. فهل الحلّ الأجدى هو البقاء على الحياد وعدم الانخراط في الأحزاب السّياسيّة خوفًا من روح التّحزّب؟ قد يكون هذا الأمر هو الحلّ الأفضل لكثيرين لا يستطيعون السّيطرة على أعصابهم وإبقاء أخلاقهم الشّخصيّة تحت قيادة روح الرّبّ. هؤلاء يحتاجون إلى الكثير من الجهد ليتشبّهوا بالمسيح وبمحبّته للآخرين.

لكن، من جهة أخرى، على كلّ مَن يُريد الانضمام إلى حزب سياسيّ، أن يسأل الرّبّ إن كان يدعوه إلى الخدمة العامّة، وإن كان فاهمًا لها وعارفًا ما هي حدود دوره كمؤمن في هذا العمل. ثمّ على المؤمن أن ينظر إلى عقيدة الحزب السّياسيّ الّذي يميل إليه، ويتأكّد أنّها لا تتعارض مع إيمانه المسيحيّ. فلا يظنّن أحدٌ أنّ يسوع كان يحتمل بقاء أتباعه في حزب الفرّيسيّين الّذين حاربوه، أو الصّدّوقيّين الّذين لم يؤمنوا بالقيامة، أو الهيرودسيّين الّذين ألّهوا ملكهم. نعم، ففي معظم الأحيان نرى أنّ الأحزاب السّياسيّة تطرح أفكارًا مناقضة لتعاليم ربّنا وأخلاقيّاته، أو تورّط أتباعها في أعمال الفساد والتّحريض على العنف والقتل والفوضى. وفي هذه الحال، لن يلقى المؤمن دعمًا من يسوع له ليبقى في هذه الأحزاب أو لينضمّ إليها. وليس في الكتاب ما يقول إنّ سمعان الغيور، بعد انضمامه إلى تلاميذ المسيح، قد استمرّ طويلاً في حزب الغيورين الّذي اعتمد العنف أسلوبًا. كما إنّ العديد من المؤمنين تركوا جماعات كانت تحدّ نموّهم الرّوحيّ، كجماعة الأسينيّين الدّينيّة أو حتّى جماعة يوحنّا المعمدان، وتبعوا المسيح نحو ملء الحياة الرّوحيّة في ملكوت الله.  

لقد وقف العديد من المؤمنين في التّاريخ ضدّ التّسيّس والأحزاب السّياسيّة، وذلك تجنّبًا للوقوع في الخطايا وجلب العار على اسم المسيح. فقد فضّلوا خسارة دورهم في العمل العام وفي تغيير مجتمعاتهم نحو الأفضل. لقد فهموا أنّهم "للرّبّ وليسوا لقيصر" وأنّهم للمملكة الّتي ليست من هذا العالم، والّتي جاء المسيح من أجلها. إنّما، في المقابل، كان هناك أشخاص آمنوا بأنّ الله دعاهم إلى الجلوس مع شيوخ الشّعب عند الأبواب وتدبير أمور بلداتهم وبلدانهم؛ وقد جهّزهم الله بالمواهب والقدرات الّلازمة لعمل القيادة. فبولس كان عنده مجموعة من الأصدقاء من وجهاء الشّعب، وهو وصل ببشارة الإنجيل إلى ملوك وإلى بيت قيصر، ولم يطلب من المؤمنين هناك أن يُغادروا مواقعهم ليعيشوا "حياةً أقدس".

لكن، يبقى على المؤمن المنتمي إلى حزب سياسيّ أن يفهم أنّ عليه تدريب نفسه ليكون صاحب أخلاق عالية تُظهِر أحترام الآخرين، صغارًا وكبارًا، مهما اختلفوا بالرّأي والموقع، ويُحافظ على أعصابه ويضبطها ويُسيطر على لسانه فلا يسمح له أن يُضرَم من نيران جهنّم ويُضرِم دائرة مجتمعه. كما على المؤمن المُسيّس والحزبيّ أن يتذكّر أنّ الرّبّ قبِل الجميع من دون تمييز، وأنّ عليه أن يكون كمعلّمه قادرًا على أن يعمل مع الجميع من كافّة الخلفيّات ومن دون تمييز. هذا يفرض عليه مساعدة غير المنضبطين وذلك بالإرشاد والتّفاهم والحوار.

قد يطول الكلام حول دور المؤمن المُسيّس والحزبيّ، لكن عليه ألاّ ينسى أنّه أوّلاً مدعوّ إلى اتّباع المسيح، وأنّه أوّلاً للمسيح، فلا يضع قائده السّياسيّ أو الحزبيّ أو الوطنيّ إلى جانب المسيح. هذا يسمح له بأن يُبقي قلبه نقيًّا، وعقله قادرًا على أن يُميّز القادة ويذكر أنّهم بشر غير معصومين عن الخطأ، فيُحسابهم، ويُحاورهم، ويُثنيهم عن خطئهم بمحبّة، لخيرهم ولخير النّاس. ويعمل المؤمن المنخرط في السّياسة على مُطالبة قادته بالشّفافيّة والوضوح في سياستهم وقبول المُساءلة مهما علا شأنهم، وتوضيح أفكارهم ومخطّطاتهم وكلّ ما يطرأ عليها من تغيّرات. يحتاج أهل السّياسة والقادة إلى مَن يُرشدهم من كلمة الله، ويُساعدهم على البقاء ضمن حدود الأخلاق والنّظافة الماليّة وتجنّب التّسلّط والظّلم من أجل مصلحة الإنسان والوطن والعدالة وعمل الحقّ. تستفيد كنيسة المسيح كثيرًا في وجود أشخاص قادرين على إحداث تغيير حقيقيّ في الأرض. صحيح أنّ العالم يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، لكن على المؤمن أن يذكر أنّه في الأرض ليحيا للمسيح، أمّا إن وجد المؤمن أنّه عاجز عن الشّهادة لإلهه وسط عالم الأحزاب والتّسيّس، فمن الأفضل له الانسحاب من هذه الدّائرة حفاظًا على نفسه وعلى شهادته بحسب تعليم كلمة الله.

AddToAny