المحبّة للرّب

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

ثمّة علامتان فارقتان للمؤمن المسيحيّ: الأمانة حتى الموت في العقيدة والسّلوك، والمحبّة المضطردة للرب. يُلقي هذا المقال ضوءًا على النّاحية الثّانية وهي متّصلة بالمشاعر الإنسانيّة المتقلِّبة. يتغيّر المرء في محبّته فتفتر أو تبرد أو تذوي، كما قد تسخن وتشتعل كنار أبديّة. من المفيد أن يتساءل المؤمن عن نوعيّة وكيفيّة علاقته بالله وبإخوته في الكنيسة وفي العالم. هل محبّته اليوم أفضل من الأمس؟ هل هي في ازدياد أم على نقصان؟

المحبّة لله هي الصّدى المتردِّد في داخل الكيان كردّة فعل لمبادرته إذ "أحبّ العالم وبذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة" (يوحنا 3: 16). الحبّ الإلهيّ يعطي ويضحّي بلا مقابل، ويمنح ذاته بغضّ النّظر عن استحقاق المحبوب. لذا "بيّن الله محبّته لنا، لأنّه ونحن بعد خطاة، مات المسيح لأجلنا" ليصالحنا مع الله (رومية 5: 8). يتعدّى ذلك الإستيعاب البشريّ وقدراته. إلاّ أنّه ممكن بقوّة الإيمان وبمعونة الرّوح القدس.

نبّهنا المسيح إلى أنّه في الأيّام الأخيرة "تبرد محبّة الكثيرين"، بسبب كثرة الإثم (متى 24: 13). فلا تعود تخفق قلوب البشر لله، ولا يرغبون في إرضائه. أن لا يؤمن الإنسان بالمسيح خطر شديد، لكن أن لا يحبّه فخطر أشدّ. من لا يحبّ لا ينتمي إلى الله ولا يعرفه. الإنسان المعاصر مؤمن جافّ ومادّي وأنانيّ. قد فترت محبّته! ويجب عليه وهو يتقدّم في العمر أن ينمو في محبّته للمسيح، وليس العكس.

القيمة الرّوحيّة للمحبّة لله

وجّه المسيح رسالةً إلى ملاكِ كنيسةِ أفسس، في سفرِ الرّؤيا الأصحاحِ الثاني، مدَحَهُ فيها بلا تحفُّظٍ على أربعةِ فضائلَ ظاهرة في الكنيسة: أوّلًا، الأمانة في العمل والتّضحية والأعمال الحسنة، "أنا عارفٌ أعمالك". ثانيًا، الحساسيّة الرّوحيّة ونقاوة الفكر والسّلوك، "أنّك لا تقدرُ أنْ تحتملَ الأشرار". ثالثًا، النّضوج العقائدي وتمييز التّعليم السّليم، "قد جرّبتَ القائلينَ إنّهم رسلٌ وليسوا رسلًا فوجدتهم كاذبين". ورابعًا، الصّبر في الإضطهاد والإجتهاد الرّوحي، "قد أحتملتَ ولك صبر، وتعبتَ من أجلِ اسمي".

بدا كلُّ شيءٍ رائعًا ومثاليًّا في الكنيسة؛ أمّا من "عيناهُ كلهيبِ نار" فرأى نَقْصًا قاتِلاً مختفِيًّا وراءَ المظهَرِ الخلاّب. فحكمَ على ملاكِها بأنّه "تركَ محبَّتَهُ الأولى". ملاحظةٌ غيرُ هامّة قياسًا بتلكَ الصِّفاتِ الجليلَة. ولكن هل منْ ألَمٍ أشدّ وقْعًا على محبٍّ لا يَلْقى تجاوُبًا من محبوبه؟ هلْ تحسَبُ زوجةٌ يتخلّى زوجُها عنْها الأمْرَ بسيطًا؟ قد يقدِّمُ لها بيتًا جميلًا، وحسابًا مصرفيًّا، ومركزًا إجتماعيًّا مرموقًا، فترفضُها إذالم تقترن بحبِّه لشخصها. لسبب ما ضعفت المحبّة الأولى لله. أصبحَ كلُّ شيءٍ جامدًا، لا حياةَ فيه، لا قيمةَ له، ثقيلاً على قلبِ المسيح. لا تُستبدل المحبّة بشيء مهما غلى وحلى؛ "ولو أعطى الانسانُ كلَّ ثروةِ بيتِهِ بدلَ المحبَّة تُحتقرُ احتقارًا" (نشيد الأنشاد 8: 7). المحبّة المتزايدة للمسيح تُكسب الكنيسة قيمتها الرّوحيّة الدّائمة. عملها ومواهبها وخدماتها ونشاطاتها ولجانها بدون المحبّة للربّ تكون نحاسًا يطِنّ وصنجًا يرنّ. لا يظنُّ النّاسُ بأنّ فتورَ المحبّة لله أمرٌ في غايةِ الخطورَة؛ أما المسيحُ فيعتبره خطيّة عظيمة. من هنا نصيحته لملاك كنيسة أفسس: "أذكُرْ منْ أينَ سقطْتَ وتُبْ،" أي عُدْ إلى محبَّتِكَ الأولى؟

علامات المحبة لله

كيف يعرف المرء بأنّه يحبّ المسيح، ويكنّ له المشاعر القلبيّة؟ تمامًا كما يعرفُ زوجانِ بأنّهما متحابّان، وكما يدركُ الأهلُ والأولادُ ذلك، وكما يعرف الأصدقاءُ أو الإخوةُ بأنّ الواحدَ منهم يحبُّ الآخر. هناك بعضُ الأمورِ التي تُظْهِرُ هذه العاطفَةِ المباركة، وسأذكر بضعة منها:

من يحبُّ شخصًا يفتكر به. لا ينساه ولا يتجاهله ولا يحتاجُ إلى منْ يذكّره به. يمرّ في ذهنهِ مرّات عدّة في اليوم الواحد. السرُّ الكامنُ وراءَ الذّاكرة الجيّدة هو العاطفة الحقيقيّة. لا يتنبّه غيرُ المؤمنِ الى المسيح إلاَ إذا فُرِضَت عليه ملاحظته؛ أمّا المسيحيُّ الحقيقيُّ فلا يمكنه نسيان من صُلِبَ عنه؛ إنّه متِّحدٌ به. وهو أيضًا يتلذّذ بالإصغاء إلى كلّ حديث عنه، ويخفق قلبه لمجرّد سماع اسمه، ويستمتع بالمجتمع الّذي يتسامر أفراده به ولِسان حاله ينشد مترنّمًا:

إسم  يسوع لي يطيب، يجذبني فهو عجيب             يسعد  قلبي الكئيب،  فمجِّدوا يسوعي

ذكر اسمه ينفي الأنين، فيه العزاء كلّ حين               يكفكف الدّمع السّخين، فسبِّحوا يسوعي

ومن يحبُّ شخصًا يتمتّع بالقراءة عنه ويرغب في أنْ يُكَلِّمَه. سافرت زوجتي مرّة، وكانت تراسلني باستمرار. كم انتظرت رسائلها بفارغ الصبر! وكم كنت أعيد قراءتها مهما تراكمت الأعمال! قد لا يرى النّاس شيئًا جذّابًا في رسالة محبّ لمحبوب، ولكنّ المتحابّين يرون ما لا يراه الآخرون، ويحتفظون برسائل بعض ككنوز ثمينة. هكذا يتعلّق المسيحيّ بكتاب الله المقدّس، فيحمله أينما ذهب، ويتزيّن به كالجواهر، ويطالعه بشغف لا كواجب مرهِق، ويشعر بلذّة داخليّة وهو يلهج بكلام الربّ نهارًا وليلًا. ولا يشعر بصعوبة في التّحدّث إليه مهما كان صامتًا ومتحفِّظًا مع الآخرين.

ومن يحبُّ شخصًا يرغب في إرضائه، ويسرّ باستشارته، ويهتمّ بمعرفة رأيه، ويعمل بنصيحته. يغيّر من أجله بعض العادات والمفاهيم والتعابير. هكذا يدرِّب المؤمنُ نفسَه ليكون له "ضميرٌ بلا عثرة من نحو الله والنّاس،" وليكون "مقدّسًا روحًا ونفسًا وجسدًا."  لا يتذمّر من وصايا المسيح مهما كانت حازمة وجازمة وحاسمة وصارمة. ويعرف بالإختبار أنّ "نير المسيح هيّن وحمله خفيف." وهكذا يغارُ على سُمْعَتِه فيدافع عنه، وينزعج ممّن يسيؤون إليه، ويعترف به أمام الجميع، ويغار على مجده.

الشّوق الدّائم الى الله

كلّ ما سبق جيّد جدًّا وتبقى الخمر الممتازة الى الآخر. فمن يحب شخصًا يرغبُ في مرافقَتِهِ الدّائمَة، ويشتاق ليكون في صحبته، وليوجد في محضره. يتّجه قلب المسيحي إلى ذاك اليوم المجيد عندما يرى مخلِّصَه وجهًا لوجه ويبقى معه إلى أبد الآبدين. يشتاق للانتهاء من عالم الإثم والخوف والدّموع ليبدأ حياة أبديّة بقرب ربّه. من الجميل أن يعيش الانسان بالإيمان على الأرض، ولكن هناك شيء أفضل. من المبارك أن يقرأ عن المسيح وأن يسمع عنه وأن يتبادل معه أطراف الحديث بالصلاة، ولكن هناك شيء أفضل. "أن أنطلق وأكون مع المسيح، قال بولس الرسول، ذاك أفضل جدا."

هذه علامات بسيطة وشائعة لكنّها تُلقي ضوءًا كاشفًا على علاقة الإنسان بالله. من المفيد أن يجيب المؤمن على سؤال يسوع لبطرس: "أتحبني أكثر من هؤلاء؟" معتبرًا إيّاه تحدّيًا شخصيًّا جدّيًا عميقًا وفاحصًا، وامتحانًا دقيقًا للإيمان وللسّلوك وللخدمة. يجب أن تحبّ مَن أحبّك أوّلًا وفضلًا وأبدًا وأسلم نفسه عوضا عنك.

AddToAny