المسيحية وحقوق الانسان: أتشابه أم اختلاف؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

أقرت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" بتاريخ العاشر من كانون الاول 1948 "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان." واعتُبر هذا الإعلان حجر الزاوية لما يعرف بالقانون الدولي لحقوق الإنسان. وباتت حقوق الإنسان تشكل بالفعل موضع اهتمام ومتابعة من "الدول المتقدمة" باعتبارها وجهاً من أوجه الرقي الإنساني لما تختزنه من حرص على الكرامة البشرية ولما تـؤمنه بالتالي من حرية وعدل وسلام. ولكن ما مدى تقارب القيم والمفاهيم المسيحية مع حقوق الإنسان؟ وهل تتجانس معها أو تختلف وبالتالي تبتعد عنها؟

نصت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: "يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلا وضميراً وعليهم ان يعامل بعضهم بعضاً بروح الاخاء". وشدّد الكتاب المقدس قبلاً على المساواة والكرامة هذه عند تأكيده أنه: "ليس هناك يهودي ولا يوناني، وليس هناك عبد أو حرّ، وليس هناك ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غل 28:3). وتساوى بذلك جميع الناس في المسيح، ولم يعد يفرّق بينهم عرق أو لغة أو جنس أو مستوى اجتماعي، بحيث أصبح الكل واحداً دونما تمايز أو تفريق أو تفضيل. عندئذ، وجب على الناس التعامل في ما بينهم على أساس التساوي في الكرامة والحقوق.

جاء في ديباجية "الاعلان العالمي لحقوق الانسان" أن: "الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الاسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم". هذه الكرامة الإنسانية وصونها التي ركّز عليها "الإعلان" كأساس لإقامة العدل والسلم في العالم وكضامن للحرية الفردية والجماعية، تظهر بأبهى صورها في المسيحية. حرص الرّب على عزة الانسان وكبره عبر خلقه ذكرا وأنثى  على صورته، فشكّل البشر عندها خلقاً واحداً دونما تفريق بينهم. (تك 1: 27). وأعطى الإنسان مقامًا ساميًا أدنى قليلاً من ملائكته وكلّله بالمجد والكرامة وسلّطه على أعمال يديه (مز 8: 6). وميّز الرب البشر عن سائر خلقه وفاض عليهم من نعمته وباركهم بقوله لهم: "أنا قلتُ إنّكم آلهة وبنو العليّ كلّكم" (مز 82: 6)

رفعت المسيحية، بقيمها وتعاليمها، الإنسانَ الى المرتبة الأسمى من الكرامة والدرجة الأرفع في الأخلاق والفضيلة، وحدث هذا قبل حوالي ألفي عام من "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وها هو الإنسان يقرّ مجدداً بمحورية القيم المسيحية، ويكررها ليؤكد أن الوصول الى السلام والعدل والحرية لا يكون إلا باعتمادها، وهذا بعدما أضفى عليها في عصره الحالي وجهاً مدنياً وأطلق عليها تسمية "حقوق الانسان".

AddToAny