"المسيحيّة كما لا يعرفها الكثيرون": قراءة في كتاب مسيحيّ قيّم

الموضوع:
العدد:
السنة:

إنّ شرف مراجعة كتاب وإبداء الرأي فيهِ لا يعادل شرف كتابته. فالإكرام لصاحب الكتاب على مبادرته في الغوص في مناقشة "المسيحيّة كما لا يعرفها الكثيرون" والشكر له إذْ شرّفني بإعطائي امتياز قراءته ومراجعته وإبداء الرأي فيه وكتابة تقديم له.

كتاب جريء يستفزّ القارئ

عندما وُضِعَ النصّ بين يديّ أوّل مرّة، حرّكني، لا بلّ استفزّني العنوان لقراءته بشغف والاطلاع عليه. وربطت في ذهني بين ما كتبه القسيس سكاف وما كتبه عالم الاجتماع الفرنسي "أوليفييه روا" الذي وضع بحثاً رائعاً بعنوان "الجهل المقدس. زمن دين بلا ثقافة". وفي هذا الكتاب ناقش روا الرابط بين المعرفة والثقافة والدين في المجتمعات الدينية المختلفة. وإذ نحن نعيش في الشرق الأوسط حيث يكثر الدين وتقلُّ المعرفة الدينيّة السليمة والعميقة، كان لي الإحساس أنّ القسيس سكاف وضع كتاباً نحتاجه لتبديد المفاهيم الشعبيّة الشائعة والخاطئة وللإضاءة على مبادئ المسيحيّة الحقّة المجهولة. وهذا ما خلصت إليه عند انتهائي من الإبحار في قراءة هذا الكتاب الصغير الحجم والكبير القيمة.

أمّا القسيس سكاف فقد سار في خطى الرسول بولس الذي طالب تلميذه تيموثاوس أن يحضر له رداءه وكتبه ودفاتره، ونقرأ في العهد الجديد: "الرّداء الّذي تركته في ترواس عند كاربس، أحضره متى جئت، والكتب أيضاً ولا سيّما الرقوق" (2تي 4: 13). نرى في هذه الآية أن بولس الرسول لم يكن يهتمّ كثيراً في مقتنيات الحياة ومفاخرها بقدر ما حرص على الاهتمام بصحته وبتغذية عقله وبمشاركة ما يُفكّر فيه مع الآخرين. هذا كان جلُّ اهتمام فيلسوف المسيحيّة. وهو عبّدَ الطريق أمام قافلة طويلة من خدّام الرّب الذين نشطوا في القراءة والكتابة وتزويد الأجيال بما يفيد فكرهم وروحهم وحياتهم.

كتب بولس يومها، وعطاءات الفلاسفة والأدباء تملأ العالم الرومانيّ القديم، وكان جريئاً بكتاباته تُحرّكه قناعة قويّة بأن لكتاباته أثرًا أقوى من حضوره ويستمرُّ بعد غيابه في تنوير العقول وتصحيح الأفكار ويُساهم، كما المنبر، في بناء كنيسة الله. كان همُّ بولس هو المناداة بالإنجيل وبنيان المؤمنين والردّ على المقاومين. لم يُضيّع بولس أيّامه في السياحة والسفر ومظاهر الحياة الاجتماعيّة الفارغة. طلب الكتب ليزداد عِلماً، واقتنى الدفاتر ليفيد الناس بما تعلّمَهُ. وها القسيس طوني يخوض تجربة الكتابة للمرة الثالثة واضعاً أمامنا عصارة فكر وبحث وجهد واختبار جدّي قيّم.

الحجّة والمنطق لإنارة الأذهان

لن أطيل في مراجعة صفحات الكتاب وأفكاره ونقاطه المنثورة في فصوله الخمسة عشرة، لكنّي أودّ أن أشارككم ما وصلتُ إليه من أن الكاتب تحلّى بالجرأة الكبيرة حتّى كتب ما كتبه في شرق يضارب فيه الفخر الدينيّ على أي فخر آخر من دون أن يُبنى على معرفة سليمة ومفيدة. وقد ناقش القسيس طوني الفكر معتمداً على الحجة والمنطق والمقارنات باجتهاد وبثقة وبأمانة من دون أن يخسر روح التواضع والإخلاص في خدمة الذين كتب لهم باحترام لهم ولحريّة ضميرهم وفي أن تكون لهم القناعات التي يُريدونها. وواضح في كتابه أنه يتحرّك بقناعة قويّة فيكتب للمنفعة وليس ليزيد المكتبة كتاباً وليُحصّلَ شرف الانتماء إلى دائرة المتعلّمين وأهل الفكر.

ما حرّك القسيس طوني سكاف هو إيمانه بأننا نعيش في أحلك أيّام التاريخ البشريّ ظلمة، وهو أراد أن يُشعِل شمعة أو مصباحًا ليدلّ العابرين إلى الباب الضيّق فيستنيرون ويخلصون ويصرون أبناءَ النور. فالإيمان المسيحي بالنسبة له "ليس مسألة قلبية وشخصيّة وحسب بل إنّه رسالة سماوية للمصالحة مع الله" (ص 17).

القسيس سكاف دقيقٌ في تشخيص الأمراض الروحيّة والأفكار المشوّشة فلا يقف أمامها غير مبالٍ في تصحيحها ومعالجتها، بل يُبادر إلى معالجتها معتمداً على فكر المسيح الذي طالما آمن بأنّه ما زال صالحًا ليومنا الحالي كما هو صالح لجميع الأجيال. هناك في هذا الكتاب دعوةٌ صريحة للعودة إلى إنجيل نقيّ ونابض بالحياة ويعالج مشاكل الناس الأخلاقيّة والروحيّة وقادر على أن يربطهم بالمسيح كلمة الله المتجسّد. هذا كتاب يأتي في زمنِ خواء فكريّ وروحيّ يبتعد فيه الكثيرون من المسيحيّين عن القراءة الجديّة معتبرين أن الفكر لا يحتاج لأكثر من تسليته روحيًّا "وظانين أن العقيدة أمرٌ تفصيليٌّ لا لزوم للتشديد عليها" (صفحة 35). يُعيد القسيس سكاف الأمور إلى نصابها ويقول أنّه في غياب النقاش الفكريّ السليم وانتفاءِ الفهم الروحي السليم يتوهُ الإنسان ويبتعد عن النور ليلحق مشاعره وأحلامه وميوله هذا إن لم نقل مشاعر وأحلام وميول الآخرين، فيبني مسيحيّة غارقة في ترهات السطحية والخرافة ولا تُشبه مسيحيّة الإنجيل بشيء.

محاربة الجهل الديني ومقاربة الإشكاليّات بموضوعيّة

وفي هذا الكتاب يحرص القسيس طوني على أن يُظهّرَ مسيحيّة حريصة على تعزيز معرفة القدوس وحياة القداسة لدى الأفراد من خلال تقديم مسيحيّة روحيّة عقليّة سامية منسجمة مع تعليم الروح القدس بعيدة في آنٍ عن الناموسيّة والعالميّة التي لا تبني حياة الفرد ولا تفيده ولا تغنيه ولا تسعده. أمتدِحُ هذا الكتاب لجرأته في مقاربة الإشكاليّات التي تؤرقُ المخلصين حيال مسائل صعبة لها علاقة بموضوعات عدالة الله وغضبه وأمور أخرى وردت في العهدين القديم والجديد، لكي أؤكّد أنّ الإجابات جاءت مقنعة وغير بسيطة من دون أن تفقد سلاسة اللغة ووضوح المضمون.

كتاب "المسيحية كما لا يعرفها الكثيرون" هو كتابٌ يحارب الجهلَ الديني والتقوى الفارغة بالعلم الصحيح والمعرفة المفيدة، فيقوى الإيمان ويُحصَّن وتُحرّك إرادة المؤمن العارف إلى إطاعة إنجيل ربّنا المسيح. (1تس 1: 8). أختم باقتباس أتاه القسيس سكاف من عند النبي إرميا: "هكذا قال الرب: لا يفتخرن الحكيم بحكمته، ولا يفتخر الجبّار بجبروته، ولا يفتخر الغنيّ بغناه بل بهذا ليفتخرن المفتخر: بأنه يفهم ويعرفني أني أنا الرب الصانع رحمة وقضاء وعدلاً في الأرض، لأني بهذه أُسرُّ، يقول الرب." (إر 9: 13-14). كتاب "المسيحية كما لا يعرفها الكثيرون" يجعلنا نتعرف إلى الرب ونفتخر به بالحق.

AddToAny