المسيح السياسيّ

الموضوع:
العدد:
السنة:

تشهد أيامنا عودة إلى دراسة علاقة يسوع بالسياسة. يُحاول البعض أن يستكشف رأيه في السياسة في أيّامه، ويحاول البعض الآخر أن يستشرف ما قد يقوله عن السياسة في أيّامنا. البعض يُقحِم ما يريد ليسوع قوله في السياسة ليتناسب مع موقفه السياسيّ الخاص من القضايا المعاصرة. وهذا ربما من أخطر ما تتضمّنه دراسة تعليم يسوع السياسيّ لأنه يُشوّه نقاوة تعليمه فتُقوّله ما لم يقلْ. ويذكر جايمس وود جونيور في هذا الخصوص: "نُخطئ إذ نحاول عصرنة يسوع مع المجتمَعَين الدينيّ والسياسيّ الحاليين، لأننا نمثّله بذلك على صورتنا، بدلاً من أن نأخذه مثالاً لنا ونقتدي به في مجتمعنا وحياتنا وأفكارنا الخاصّة".

هل اهتمّ يسوع بالسياسة؟

بيد أنّ البعض يتساءل: هل إن يسوع تكلّم أصلاّ في السياسة؟ فيما يُشير البعض الآخر إلى أنّ يسوع لم يحكِ الكثير في السياسة. كما يؤكّد آخرون أن يسوع لم يُعطِ وصايا سياسيّة مباشرة لتلاميذه أو لحكّام الأرض، ولم يطرح برنامجًا سياسيًّا تتبنّاه الكنيسة وتنشره في الأرض! ومن يدرس يسوع كابن للبيئة اليهوديّة يفتكر أن جلّ ما علّمه تعلّق حصراً بمجتمعه اليهوديّ وحسب، ولم يخاطب بالتالي أحداً في بيئات اجتماعية أخرى، ولا ينطبق تعليمه على المجتمعات غير اليهوديّة، أو التي لم تصبح مسيحيّة بعد.

يرى، من يتمعّن في قراءة الأناجيل الأربعة أنّ يسوع، وإن كان ابنًا لبيئته وتكلّم لليهود، لم يُعالج المسألة اليهوديّة من زوايا التحرير والاستقلال عن حكم الرومان، أو من زاوية إعادة المـُلك إلى سبط يهوذا أو ما شابه من مسائل. بل يجد أن علاقة يسوع مع يهود أيّامه ومعلّميهم ومفاهيمهم تميّزت بالتوتّر وقدّم تعليمًا روحيًّا وسياسيًّا مستقلاً عن مسألتهم القوميّة والوطنيّة، وبالتالي طرح تعليمًا يُعتَبر عالميًّا وصالحًا لكلّ المجتمعات والأزمنة.

المشروع الأساسيّ للمسيح

تُظهِر الأناجيل أن اليهود، ومنهم تلاميذ المسيح، تمنّوا لو أن يسوع جاء بتعليم وبنضال سياسيّ علنيّ يقودهم إلى التحرّر من نير الرومان وحكّامهم أمثال بيلاطس والملوك "الصُوَرِيّين" الّذين ولّوهم عليهم أمثال هيرودس وسلالته. وارتجوا ظهور المسيح لقيادة ثورة تحرير وطنيّ على النمط المكابيّ يملك من بعدها على الأرض، وتوقّعوا في الوقت عينه لأنفسهم أدوارًا في مملكة المسيح المنتظرة كأن يجلس أحدهم عن يمينه أو عن يساره عند إعلان ملكه المرجو! (مت 20: 21).

لكنّ يسوع خذلهم لأنّه لم يأتِ كمحرّر وطنيّ، ولا ليؤسّس مملكة سياسيّة أرضيّة، بل جاء ليُتمّم المشروع الخلاصيّ الذي يحتاجه جميع البشر بمن فيهم اليهود الّذين افتُرض بهم أن ينتظروا مجيئه لخلاصهم كما علّمتهم ذلك نبوّاتهم! (يو1: 11). أما يسوع فأعلن عن الهدف من مجيئه إلى الأرض: "لأنّ ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويُخلّص ما قد هلك" (لو 19: 10). ومع أن المسيح جاء مخلّصًا روحيًّا للعالم، إلا أنّه لم يُهمِل العمل على تغييره، لكن بطرق مختلفة عن تلك التي يعتمدها المناضلون السياسيّون وعلماء السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والسياسة. فبينما يعمل هؤلاء العلماء على تغيير المجتمع وظروف عيش الإنسان بهدف تغيير حياة الإنسان الشخصيّة، يعتمد المسيح خطّة تغيير الإنسان من الداخل ليصير قادرًا على إصلاح مجتمعه وتحسين ظروفه.

المسيح لم ينقض مؤسّسة الحكم

من يُدقّق في خطة المسيح يجد أنّها تنسجم وتتكامل مع لاهوت الحكم وعطيّة السياسة التي وهبها الله في البداية للإنسان عند خلقه، كما نرى ذلك في سفر التكوين، وما زال هذا التكليف مستمرًّا ولم يتغيّر حتى يومنا هذا. والمسيح لم يأتِ ليُبطل ما سبق وأعطاه للإنسان، ولم يأتِ كذلك ليُعطّل استمراريّة الحكم ودور الإنسان في تدبير شؤون نفسه. من هنا، وإن فهمنا فلسفة المسيح السياسيّة هذه، لأدركنا لماذا لم يدعُ المسيح إلى التمرّد على الإمبراطوريّة الرومانيّة ولم يُشارك الغيورين نضالهم العنفي ولم يُثنِ عليه حتّى!

عرف يسوع أهميّة الحقبة السياسيّة التي سبقت مجيئه لأن الله العامِل في الساحة السياسيّة والدوليّة هيّأ الظروف الدوليّة والإقليميّة لتبسط الإمبراطورية الرّومانيّة سيطرتها فيأتي المسيح في زمن من الاستقرار السياسيّ. وتميّزت تلك الحقبة بوجود حكم قويّ وسُلطة وتشريع وقضاء ومحاكم وإدارة عامّة وشرطة وجيش وحريّات دينيّة وسياسيّة ولغة حضاريّة (اليونانيّة) ولغة رسميّة (اللاتينيّة) وشبكة طرقات وملاحة بحريّة سمحت للرسل وللكنيسة بعد المسيح بنقل البشارة إلى العالم أجمع.

المسيح المـُحِبّ لوطنه

لا يعني هذا أنّ يسوع لم يكنّ محبّة خاصّة لوطنه، أو أنّه تنكّر له. فهو الذي قال أنّه جاء أولاً إلى خراف إسرائيل الضالّة واهتمّ بتبشيرهم وجال يصنع خيرًا لفقرائهم ولمرضاهم وأراد خلاصهم (مت 10: 6؛ 15: 24). وبكى على وضع أورشليم المدينة المقدّسة التي أحبّ وأراد أن يجمع أولادها كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها إلا أنّها رفضته وقتلته كما قتلت الأنبياء والمـُرسلين إليها من قبله (مت 23: 37).

يمكننا، باختصار، أن نصف يسوع بالوطنيّ المخلِص، وبالمنفتح في الوقت عينه على الآخرين، وبغير المـُصاب بأمراض التطرّف القوميّ وبعِقدة الاستعلاء على الآخرين ورفضهم. فيسوع آمن بالتآخي بين الشعوب وعلّم أن "ملكوت السماوات" ليس حكرًا على اليهود وأن "كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب في ملكوت السماوات" بينما الذين يظنّون أنفسهم بني الملكوت سيُطرَحون خارجًا لرفضهم دعوته (مت 8: 11-12).

AddToAny