المسيح الوسيط الوحيد بين الله والنّاس

الموضوع:
العدد:
السنة:

إنّ دور الوسيط هو مصالحة طرفين متخاصمَين. أمّا المبدأ الكتابيّ للوساطة، فهو مصالحة الإنسان الخاطئ مع الله القدّوس، وهو ما تركّز عليه الأسفار المقدّسة. استُعملت كلمة "وسيط" مرّة واحدة في العهد القديم، في التّرجمة السّبعينيّة، لتُشير إلى "مُصالِح" أو "حَكَم" أو "شخص يفْصُل في نِزاع". "لأنّه ليس هو إنسانًا مِثْلي فأُجاوِبَه، فنأتي جميعًا إلى المُحاكَمَة. ليسَ بيْنَنا مُصالِحٌ يَضَع يَدَه على كِلَيْنا. ليَرْفَع عنّي عَصاه ولا يَبْغَتْني رُعْبَه" (أيّوب 9: 32-34). ويمكننا أن نرى الوساطة في العهد القديم من خلال عمل كلّ من النّبيّ والكاهن؛ فالنّبيّ كان ينقل كلمة الله إلى الإنسان عن طريق رؤية أو تعليم أو تحذير (خروج 4: 10-16؛ عاموس 3: 8؛ إرميا 17: 17)، أمّا الكاهن فكان يتشفّع للإنسان أمام الله من خلال تقديم الصّلوات والذّبائح (تثنية 33: 10؛ عبرانيّين 5: 1). إذًا، كان النّبيّ والكاهن يكمّل أحدهما الآخر كوسيطَين بين الله والإنسان.

وفي العهد الجديد، استُخدمت كلمة "وسيط" ستّ مرّات؛ اثنتان منها للإشارة إلى موسى على أنّه وسيط العهد القديم (غلاطية 3: 19-20)، وثلاث مرّات، في الرّسالة إلى العبرانيّين، للإشارة إلى يسوع المسيح لكونه وسيط عهد جديد أفضل (8: 6؛ 9: 15؛ 12: 24). ويُضيف كاتب الرّسالة، بعد كشفه أفضليّة العهد الجديد على العهد القديم، أنّه في العهد الجديد صارت هناك حاجة إلى وسيط جديد، وهو يسوع المسيح (8: 6)، الّذي قدّم نفسه ذبيحة ليُدشّن العهد الجديد ويُصالح الإنسان مع الله. أمّا الآية المركزيّة حول عمل المسيح الوسيطيّ فهي الّتي قالها الرّسول بولس: "لأنّ هذا حَسَن ومَقْبولٌ لدى مُخَلِّصِنا الله، الّذي يُريد أنَّ جَميعَ النّاس يَخْلُصون، وإلى مَعْرِفَة الحقّ يُقْبِلون. لأنَّه يُوجَد إله واحِد ووَسيطٌ واحِد بين الله والنّاس: الإنسان يسوع المسيح، الّذي بَذَل نفْسَه فِدْيَةً لأجْل الجَميع، الشَّهادَة في أوْقاتِها الخاصَّة" (1تيموثاوس2: 3-6). نرى إذًا، أنّ هناك رابطًا بين الموت والوساطة. وما عدا الآيات الّتي تستخدم هذا المصطلح بشكل واضح، فإنّ العهد الجديد مليء بالأمثلة الّتي توضح وساطة يسوع المسيح. لقد كان المسيح النّبيّ الموعود به من الله، وبمجيئه تمّم النّبوّة الّتي تنبّأ عنها موسى (تثنية 18: 15-18)، وتحقّق منها كلّ من فيلُبُّس (يوحنا 1: 45) وبطرس (أعمال 3: 22-23) واستفانوس (أعمال 7: 37) واليهود الّذين سمعوه (متّى 21: 11؛ لوقا 7: 16؛ 24: 19؛ يوحنا 6: 14؛ 7: 40)، وأكّدها المسيح نفسه (يوحنا 5: 45-47). لقد أعلن كلّ من الله الآب ويسوع أنّ كلّ مَن يسمع ليسوع عليه أن يقبل كلامه (متى 17: 5؛ يوحنا 12: 48-50)، فهو أتى مُرسَلاً من الله وتكلّم بكلامه (يوحنا 1: 18؛ 6: 60-69؛ 14: 9-10).

لم يكن المسيح أعظم نبيّ لله فقط، بل كان أيضًا أعظم كاهن يقف عن النّاس أمام الله. فالمسيح، أوّلاً، هو حمل الله المذبوح، الّذي بذل نفسه فدية عن الإنسان وخطاياه (متى 1: 21؛ يوحنا 1: 36؛ 3: 16؛ رومية 3: 21-26؛ عبرانيّين 2: 17؛ 9: 14-15)، وهكذا كان هو الكاهن والذّبيحة في آن واحد (عبرانيّين 2: 17؛ 7: 26-27؛ 9: 11-15). كما أنّه تقدّم بالصّلاة إلى الله عن نفسه في جثسيماني قبل الصّليب (متّى 26: 39، 42، 44؛ مرقس 14: 36، 39؛ لوقا 22: 41، 44؛ يوحنّا 17: 1-5؛ عبرانيّين 5: 7)، ولأجل تلاميذه (لوقا 22: 32؛ يوحنا 17: 6-26). ثانيًا: المسيح، الآن، يتشفّع بالقدّيسين أمام الله (رومية 8: 34)، وشفاعته كاملة ومقتدرة وكافية ولا تحتاج إلى دعم من أحد، "فَمِن ثَمّ يَقْدِر أنْ يُخَلِّص أيْضًا إلى التَّمام الّذين يتَقَدّمون به إلى الله، إذْ هو حَيٌّ في كُلِّ حين ليَشْفَع فيهم" (عبرانيّين 7: 25)، وهو "يظهر أمام وجه الله لأجلنا" (عبرانيّين 9: 24). لذلك، فإنّ المسيح قادر على أن يكون النّاطق باسم الله أمام النّاس لأنّه "الله" شخصيًّا، "فإنّه فيه يَحِلُّ كُلّ مِلْء اللاّهوت جَسَديًّا" (كولوسّي 2: 9؛ واقرأ أيضًا يوحنّا 1: 1-5؛ 2كورنثوس 5: 19؛ عبرانيّين 1: 2؛ 5: 5)، وهو أيضًا النّاطق باسم الإنسان أمام الله لأنّه "إنسان" بالحقّ وقادر على أن يتعاطف مع البشر ومع مشاكلهم، "منْ ثَمّ كان يَنْبَغي أنْ يُشْبِه إخْوَتَهُ في كُلّ شيْء، لكَيْ يكون رحيمًا، ورئيس كهَنَةٍ أمينًا في ما لله حتّى يُكَفِّر خطايا الشَّعْب" (عبرانيّين 2: 17؛ واقرأ أيضًا 4: 15؛ 5: 1-9).

في الخاتمة، لقد سبّبت الخطيّة هوّة عظيمة بين الله والإنسان، وهي تحتاج إلى جسر لعبورها. ويصوّر لنا الكتاب المقدّس الوسيط الّذي يُقدّم نفسه ذبيحة لله ويشفع بالإنسان ليجمعه بالله ثانية. وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ مفهوم النّاس لدور "الوسيط"، اليوم، وهو مصالحة طرفين متنازعَين عن طريق المساومة، هو مفهوم خاطئ. أمّا الفكرة الكتابيّة فهي أنّ الوسيط هو مَن يقوم بمهمّة الوساطة بين فريقين؛ فالله لا يُساوِم على قداسته، الّتي لا تُمسّ، بل يُعلن متطلّبات القداسة للإنسان عبر وسطائه. وهو لم يتساهل يومًا مع الخطيّة، لكنّه، وبفضل محبّته، قدّم العِقاب العادل بديليًّا عنها من خلال موت "الوسيط" يسوع المسيح، الّذي أمّن المصالحة للإنسان. إذًا، "الوسيط" هو مَن يُعلِن متطلّبات الله للقداسة ويؤمّن الطّريقة الّتي فيها يتصالح الإنسان مع الله، "ولكنّ الكُلّ من الله، الّذي صالَحنا لنفْسِه بيَسوعَ المسيح، وأعْطانا خدْمَة المصالحة، أيْ إنّ الله كان في المسيح مُصالِحًا العالم لنَفْسِه، غَيْر حاسِب لهم خطاياهُم، وواضِعًا فينا كَلِمَة المصالَحَة. إذًا نَسْعى كسُفَراء عن المسيح، كأنّ الله يَعِظُ بنا. نطْلُب عن المسيح: تَصالَحوا مع الله. لأنّه جَعَل الّذي لَمْ يَعْرِف خَطيَّةً، خَطيَّةً لأَجْلِنا، لِنَصير نحنُ بِرَّ الله فيه" (2كورنثوس 5: 18-21).