المسيح كلّ ما نحتاج إليه

الموضوع:
العدد:
السنة:

نجد في كلّ مكتبة عصريّة، في أيّامنا هذه، مجموعات من الكتب الّتي تُخاطب الهواة واعدةً إيّاهم بالاحتراف في ميادين هوايتهم وبفتح أبواب النجاح.  ويشتري هذه الكتب عدد متنامٍ من طالبي الغِنى والشّهرة، محاولين اتّباع الخطوات المقترحة فيها، الواحدة تلو الأخرى.

وقد دخلت هذه الفلسفة عالم الكنيسة حيث تمتلئ المكتبات بالكتب الّتي تُقدّم النّصائح العمليّة الّتي تَعِد في حال اتّباعها بإغناء اختبارنا الرّوحيّ.  ولا ينكر أحد أنّ لبعض هذه الكتب فوائد جمّة، وبخاصّة إذا تمحورت حول شخص المسيح.  لكن لا يخفى على الدّارسين أنّ الكثير من هذه الكتب تُنسخ من تلك الّتي تهدف إلى توسيع دائرة التّسويق عبر تقنيات الإعلانات الّتي تهدف إلى الرّبح المالي وتدعيم الموقع التّجاري.  والحقّ يُقال، إنّ هذه الكتب لا تُركّز على المسيح كونه كفاية الكنيسة في حياتها وخدمتها.  والقليل جدّاً من الكتب الّتي تُرَوَّج في المكتبات المسيحيّة هي من النّوع التّفسيريّ أو التّعليميّ الّذي ينهل من كلمة الله ليُبرز كنوز الحقّ الإلهي كما هي، إذ إنّ غالبيّة الكتب تُحاول أن تُكيّف هذا الحقّ لينسجم مع المفاهيم الاجتماعيّة والعقلانيّة والثّقافيّة المُعاصِرة.  فكتّاب هذه الكتب وناشروها لا يهتمّون، في الواقع، بالأمانة للفكر الإلهي.

عندما كتب بطرس الرّسول رسالته الثّانية إلى الكنيسة، تكلّم على المسيح الّذي "وهبتنا قُدرَتَه الإلهيّة كلّ ما هو للحياة والتّقوى" (2 بط 1: 3).  وما كتبه بطرس يتوافق مع ما كتبه الرّسول بولس، رفيقه في الجهاد لأجل المسيح، الّذي قال: إنّ نعمة المسيح تكفيه في كلّ الظروف (2 كو 12: 9)، إذ الله هو الّذي يُبارك شعبه بكلّ بركة روحيّة (أف 1: 3).  أمّا بولس فعبّر عن شوق المؤمنين في كولوسي ليختبروا "مَعرِفَة سِرِّ الله الآبِ والمسيح، المُذَّخَر فيه جَميعُ كُنوزِ الحِكمَةِ والعِلمِ" (كو 2: 2-3).  وبعدما حذّر بولس المؤمنين في كولوسي من الّذين يُريدون إفساد أذهانهم عن الإيمان عبر "الفلسَفَة والغُرورِ الباطِلِ وتَقليدِ النّاس"، شجّعهم على أن يمتلأوا بالمسيح الّذي يُسدّد كلّ احتياجهم (كو 2: 8-10).  ففي المسيح نجد جوهر مسيحيّة العهد الجديد وذروتها. 

يا للأسف، نجد اليوم أنّ المسيحيّة المعاصرة بعيدة عن المسيحيّة الأصليّة.  فبينما تظهر مسيحيّة القرنين الماضي والحالي وكأنّها غنيّة بالمسيح، إلاّ أنّ واقع الحال يقول إنّها تعيش قصّة مختلفة في مسلكها وعملها وشهادتها.  وسبب ذلك أنّ المسيحيّين، اليوم، لا يجدون في المسيح كلّ ما يحتاجون إليه ليحيوا في هذا العصر البالغ التعقيد.  لذلك عليهم أن يُجيبوا عن السؤال الأساسيّ: "ماذا تفتكرون في المسيح؟"  ويكون إدّعاء الآباء والوعّاظ القدامى صحيحاً إذ قالوا: "إنّ ما نفتكر به عن المسيح يُقرّر نوعيّة حياتنا".  فإن أخطأنا بنظرتنا إلى المسيح، سنُخطئ حتماً في مفاهيمنا الأخرى.  وهذا الاستنتاج قد برهن صوابيّته مع الأيّام.  فإخفاق الكنيسة المعاصرة (جماعة وأفراد) في إدراك كينونة كفايتها الكامنة في المسيح يجعلها تواجه عواقب لاهوتيّة عميقة. 

ويُعاني المسيحيّون اليوم من ضحالة (سطحيّة) التّعليم ومن المعتقدات السيّئة، ذلك لأنّ الوعّاظ ينظرون بعيداً عن المسيح.  ففي مواعظ هؤلاء، قد أُنزِلَ الله عن العرش وغلبه الإنسان الّذي بات مَلِكاً.  فصار كلّ التّركيز على المشاكل الآنيّة الّتي ترتبط بالأمور الأرضيّة بشكل مؤكّد، وذلك من دون الاعتراف بأنّ الإفلاس الرّوحيّ هو الّذي أوصل الإنسان إلى هذا الدُرك.  إنّ الإخفاق في فهم هذا الواقع، وتشخيص علله بدقّة، يسير يداً بيدٍ مع عدم الاتّكال على المسيح، فيبدأ البحث في حقول الإرشاد النّفسي والفلسفي والاجتماعي بدلاً من أن نرى في المسيح السّبيل للخروج من الأزمات المعاصرة.  و تكون  النتيجة أنّ كثيرين من الّذين يدّعون الولاء للمسيح هم متورّطون فعليّاً في سعي باطل للاكتفاء من منهل نظريّات الفلسفة البشريّة الفارغة.

وتقع الكنيسة المعاصرة بين فكَّي الناموسيّة والدّنيويّة.  فهي تُحاول أن تَظهر بمَظهر المُحافظ على الميزات المسيحيّة، لكنّها، في الوقت عينه، غير مهتمّةٍ حقّاً بشخص المسيح.  وتغرق الحالة الدّينيّة اليوم في بحر من تعاليم كُتّاب وإعلاميّين يُروّجون لاختبارات مُثيرة في كتبهم وبرامجهم لأهداف ماديّة في عصر ماديّ.  وفي غالبيّة الأحوال، يقع المسيحيّون فريسة الماديّة الّتي تُعيد تشكيل مفاهيمهم للكنيسة ولمهمّتها في العالم.  والتّقصير في تقدير قيمة المسيح وقوّة رسالته دفع بالبراغماتيّة لتصير هي النمط المُتّبَع في الكنائس العصريّة، بينما صار الوعظ بالمسيح جانبيّاً ليروق للّذين لا يذهبون إلى الكنيسة ولغير المهتمّين بالحياة الرّوحيّة.  وهكذا، ومن دون وجه حقّ، يتوافق الكثير من الّذين يخدمون الرّبّ على أنّه من دون الإثارة المسرحيّة العصريّة لن يتمكّنوا من جذب النّاس إلى الإيمان، فيُكيّفون رسالتهم وأساليبهم لتُناسب الأذواق العصريّة خوفاً من الفشل الذّريع! 

آهٍ كم تبعد هذه الطرق الغريبة عن مسيحيّة العهد الجديد.  لقد أعلن بولس بثقة: أنّه لا يستحي بإنجيل المسيح لأنّه قوّة الله للخلاص لكلّ من يؤمن (رو 1: 16).  لقد كان أميناً لشخص المسيح، غير طالبٍ رضى مُستمِعيه، ولا خائفاً من عدم تجاوبهم مع رسالته الّتي أعطاه إيّاها الله.  لقد عاهد الرّسول بولس نفسه على أنّه، بالرّغم من كلّ الظروف ومن الجمهور الواقف أمامه، لا يتكلّم إلاّ بإنجيل المسيح مُقدّماً شخص المسيح.  وكم يحتاج مجتمعنا اليوم إلى السّماع عن شخص المسيح بلا زيادة ولا نقصان.  وما هي رسالة المسيحيّة، على كلّ حال، سوى تقديم شخص المسيح، رئيس الحياة، فيلتصق به النّاس كما الأغصان بالكرمة لتكون لهم الحياة فيه (يو 15: 1-11). 

لقد كان المسيح محور وعظ بولس لأنّه كان في محور حياته.  ومن أجل المسيح كان بولس مستعدّاً لأن يجعل حياته خسارة من دون أن يتمسّك بشيء من أمتعة العالم الّتي لا يليق مُعظمها بالمسيحيّة الحقّة.  وكان شعار يوحنّا المعمدان: "يجب أن يزداد المسيح وأنا أنقُص" (يو 3: 30)، وقد حرّك هذا المبدأ المعمدانَ ليُحوّل أنظار الّذين سمعوه، نحو حمل الله الّذي يرفع خطايا العالم، فيتحوّلون عنه نحو المسيح.  وهذا ما يحتاج إليه النّاس في أيّامنا الحاضرة أيضاً، وهو أن يعرفوا المسيح ويلتصقوا به.  لذلك، على خدّام المسيح والمسيحيّين المخلِصين أن ينظروا باستمرار إلى المسيح من دون سواه إذ هو صار لنا "حكمةً وبرّاً وقداسةً وفداءً" (1 كو 1: 30).