المعرفة الرّوحيّة وحقيقة ما يجري في الأرض

الموضوع:
العدد:
السنة:

يكثر في أيّامنا عدد الّذين لا يهتمّون بالأمور الرّوحيّة. إذ تُسيطر الأمور الدّنيويّة اليوميّة على الحياة. كما يكثر عدد الّذين يُعبّرون عن أنّهم لا يعرفون الرّوحيّات. ويُضاف إلى هذا الأمر تفاخر بالجهل، فالإنسان المُعاصِر لا يرغب في أن يكون مُتديِّنًا. أمّا العبارة "لستُ أعرف" فقد أسّست للأغنوسطيّة الدّينيّة القائلة: إنّنا كبشر لا نعرف الحقائق الكاملة، وبالتّالي لا يُمكننا أن نؤمن. وواقع الحال اليوم هو أنّ كثيرين لا يعرفون الأمور الرّوحيّة الجوهريّة، ومعرفتهم محصورة بالقشور والثّانويّات. هناك جهل عارم وإفلاس معرفيّ كبير. قد يكون شعار النّاس الحقيقيّ اليوم "لستُ أعلم ولا أُريد أن أعلم". وبعضهم يسأل باستخفاف: "وما الضَّير من الجهل الرّوحيّ؟" لو وضعنا هذه العبارة على الشّكل التّالي: "لستُ أرى ولا أريد أن أرى"، لساعدَنا ربّما هؤلاء الّذين يُمجّدون الجهل على أن يخافوا من أن يكونوا عميانًا، فيسقطون في الحُفَر أو يرتطمون بالجدران. فيما لو وضعناها على الشّكل التّالي: "لستُ أفهم ولا أُريد أن أفهم" لجعلناهم ربّما يخشون صيت الجهل. إنّ عبارة "لستُ أعرف" ليست في قاموس الحكماء.

في العهد القديم، نرى النّبيّ حبقوق يقف على المِرصَد ويُراقب ويرى ماذا يقول له الرّبّ، ليفهم ويُجيب عن شكواه وتساؤلاته، فيعرِف كيف يواجه الحياة. لقد اهتمّ هذا النّبيّ بمعرفة أمور الله والنّبوّة وما يحدث في أيّامه. كثيرون من النّاس لا يحسنون قراءة ما يجري في الأرض. أمّا حبقوق فقد أراد تفسيرًا إلهيًّا للأمور. والعهد الجديد يؤكّد أنّ الجهل لا يتوافق مع إرادة الخالق للبشر، فالله "يُريد أنّ جميع النّاس يخلصون وإلى معرفة الحقّ يُقبِلون". إلاّ أنّ بعضهم لا يُريد أن يرى، وإن رأى لا يفهم، وإن فهم لا يعمل بما عرفه.

كلّنا يرى تغيّر الأيّام من حولنا. قليلون جدًّا يعرفون أنّ هذه التّغيّرات الطّارئة على عالمنا مرتبطة بالنّبوّات؛ لو عرفوا ذلك لاعتبروا وتهيّأوا. الله يُنبّه النّاس من خلال تغيّرات الأيّام، ويستطيع الإنسان أن يفهم أكثر من خلال مقارنة ما يجري حوله مع كلمة الله. يسوع أعطى تلاميذه إمكانيّة أن يعرفوا "وجهَ السّماء وعلامات الأزمنة"، بينما النّاس غافلون ونائمون. على المؤمن التّقيّ أن يقدر على رؤية ما يحصل حوله من تبدّلات، ليحذر الخطر قبل أن يبغته. بعض النّاس متفاجئ دومًا بالشّرّ الدّاهم وغير مُستعدّ له، فيؤخذ دومًا على حين غرّة. وبعضهم لا يرى التّغيّرات الحاصلة في المجتمعَين المدنيّ والرّوحيّ ولا يعرف كيف يُمعِن الشّيطان تخريبًا في حياة النّاس.

هناك إهمال لدراسة النّبوّات في أيّامنا هذه. والكلام عليها يُترك لأهل البِدَع. ففيما تهتمّ قلّة من النّاس بها، يحاول بعضهم التّقليل من أهميّتها مشدّدًا فقط على السّلوك والتّقوى. إلاّ أنّه، على الرّغم من فائدتهما، لا يجب إهمال النّبوّات وما أعدّه الله للأيّام المقبلة. إنّ إحدى هبات الله المميّزة للكنيسة هي النّبوّة. وإن كان لله أسرار إلاّ أنّه أعطى "المعلَنات لنا ولبَنينا"، وما علينا إلاّ أن نفهم ما يقوله الرّوح للكنائس. كان ليوحنّا الحبيب رغبة عميقة في أن يعرف الحقائق الكامنة خلف الأمور الحاصلة في أيّامه وفي جريان نهر التّاريخ أمامه، فدعاه المسيح: "اِصعَد إلى هنا فأُرِيَكَ ما لا بُدَّ أن يصير بعد هذا". الله يُريدنا أن نرتفع إليه لنرى ونعرف لئلاّ نبقى جهّالاً. المعرفة تأتي من الله لعقل المؤمن فيفهم ما يصير حوله على ضوء نبوّات الكتاب المقدّس. لا أحدٌ يبقى في الظّلمة عندما يطلب النّور الإلهيّ، لا بل إنّ مَن يفهم النبّوّة يختبر الرّجاء والثّبات في وجه رياح الحياة.