المعلّم الجامعيّ وليام كاري

العدد:
السنة:

كان "وليام كاري" مُنشغلاً بتقديم الكتاب المقدّس إلى شعوب الهند، لكنّ ذلك لم يُثنه عن القيام بأعمال أخرى. لقد أنشأت الحكومة البريطانيّة جامعة في "كالكوتا" لتعليم الشّبّان الإنكليز وتأهيلهم ليكونوا حكّامًا وقضاةً وضبّاطًا في الهند، واحتاجت الحكومة إلى أستاذ يعلّم هؤلاء الشّبّان اللّغة الهنديّة. فاتّفق الجميع على أنّ "وليام" هو أفضل مرشّح للقيام بهذا العمل، فهو يُتقن معظم اللّغات الشّرقيّة. وبعد الصّلاة والتّشاور مع الأصدقاء، لبّى "وليام" الدّعوة. وكان يجتاز النّهر إلى جامعة "كالكوتا" مساء كلّ ثلاثاء، ويمكث هناك أيّام الأربعاء والخميس والجمعة، يعلّم في الكلّيّة نهارًا، يتكلّم مع تلاميذه ويعمل في التّرجمة، ثمّ يعظ مساءً في الكنيسة الّتي أسّسها في المدينة.

علّم "وليام" اللّغات الشّرقيّة في جامعة الحكومة لمدّة ثلاثين عامًا. كان أستاذًا لطيفًا، وصديقًا مُساعدًا، ومُرسَلاً مُحبًّا. استخدمه الرّبّ ليأتي كثيرون من طلاّبه إلى معرفة المسيح والإيمان به كمخلّص شخصيّ. وقد علا شأنه وقوي نفوذه في جميع الأرجاء، وكان يتقاضى أجرًا عاليًا مقابل التّعليم. لكنّه كان يحتفظ بجزء يسير يكفيه لشراء حاجيّاته الخاصّة، ويقدّم الباقي بفرح لمساعدة القساوسة الهنود وبناء الكنائس أو لدعم العمل الإرساليّ.

عمل إرساليّ آخر

ساعد "وليام" الشّبّان الإنكليز في جامعة "كالكوتا" على التّمرّس في العمل الحكوميّ. وحلم، وصلّى لأجل كليّة أخرى – كليّة تدرّب الشّبّان الهنود على الخدمة وعمل الرّبّ. فقال لزميليه "وارد" و"مارشمان": "أنا أؤمن بأنّ الرّبّ يريدنا أن نؤسّس كلّيّة للهنود لتدريبهم على خدمة الإنجيل، فلن يكون هناك عددٌ كافٍ من المرسلين لإيصال البشارة إلى ملايين الهنود؛ أمّا إذا أسّسسنا كلّيّة لاهوت فسنتمكّن من تدريب مئات الرّجال ليصيروا وعّاظًا ومعلّمين وسط شعبهم". تحمّس "وارد" و"مارشمان" لهذه الفكرة، ووعدا بأن يوفّرا المال اللاّزم لتأسيس الكلّيّة، وآمنا بأنّ الرّبّ سيساعدهم.

كلّيّة سيرامبور

واظب "وليام" مع رفاقه على الصّلاة. وأخيرًا، بعد سبع سنوات، اكتملت فرحتهم وهم ينظرون إلى المبنى الأوّل للكلّيّة وقد شُيّد. كما صلّوا بجدّيّة لأجل التّلاميذ الّذين سيُرسلهم الرّبّ ليصبحوا مبشّرين ومعلّمين للكلمة. والرّبّ استجاب لصلواتهم، فسرعان ما بدأت المجموعة الأولى من الشّبّان الملتزمين بالدّراسة باجتهاد في الكلّيّة. زاد انشغال "وليام"، وصار، إلى جانب كونه واعظًا ومُترجمًا، يعلّم في كلّيّتين ويسهر طوال اللّيل في التّحضير.

ومع تقدّم السّنوات، بدأت قوّته تضعف. وفي أحد الأيّام، وبعد أن أنهى تصحيح إحدى التّرجمات الجديدة للكتاب المقدّس، وضعها جانبًا وابتسم، وقال:" إنّ عملي قد انتهى".

لقد وَهَب "وليام كاري" كلّ ما له للإرساليّة الّتي أسّسها، والآن، بعد أن بدأت قواه تخور، أصبح مستعدًّا للانطلاق إلى بيته السّماويّ. لم يعد باستطاعته الخروج للبشارة والتّعليم كما في السّابق، فصار يجلس في حديقته يقرأ ويصلّي، ويستقبل أصدقاءه الّذين يأتون لزيارته. كانت حديقته مكانًا ساحرًا، فيها بِرْكَة صافية، وحول ممرّاتها مئات الزّهور البرّيّة والنّباتات المورقة والشّجيرات المزهرة، وحتّى الأشجار العظيمة الّتي جمعها وزرعها بنفسه. لقد عرف اسم كلّ نبتة وكيف يعتني بها. لسنوات، كان يقوم باكرًا، يتجوّل في حديقته ويتحدّث مع الرّبّ عن عملهما معًا. لقد علّم "وليام" أيضاً أصدقاءه الهنود كيفيّة الاهتمام بالحدائق، فقد كانت أراضيهم الزّراعيّة فقيرة وغير نامية. وساعدهم على زراعة الخضار والحبوب، وعلّمهم كيف يعتنون بالأشجار المثمرة وكيف يستفيدون من الأرض الّتي أعطاهم إيّاها الرّبّ.

سنواتٌ مثمرة

في أثناء جلوسه في حديقته، كان "وليام" يتذكّر كيف وصل للمرّة الأولى إلى الهند وكيف أمضى السّنوات الخمس الأولى في إرساليّته وهو يترجم العهد الجديد إلى اللّغة البنغاليّة، وكيف حقّق حلمه بعدها وترجم كلمة الرّبّ إلى أربع وثلاثين لغة ولهجة. كذلك تذكّر كيف بشّر لمدّة سبع سنوات قبل أن يؤمن هنديّ واحد. أمّا الآن، فهناك ستٌّ وعشرون كنيسة، ومئات الهنود الّذين آمنوا بالرّبّ يسوع، واعتمدوا والتزموا بالحضور إلى الكنائس ليسمعوا عن المخلّص الحبيب. لقد درّب "وليام" خمسين واعظًا يعلّمون كلمة الرّبّ بأمانة في المدن والقرى. وأولاد "وليام" الثّلاثة تكرّسوا للعمل الإرساليّ أيضًا ولحمل البشارة إلى الأماكن البعيدة.

لم يكتفِ "وليام" بتقديم الكتاب المقدّس إلى شعب الهند، بل فتح أيضًا 126 مدرسة للصّبيان والبنات. بفضله، تعلّم آلاف من الوطنيّين القراءة والكتابة، كما تعلّموا عن الإله الحقيقيّ والمخلّص الوحيد. وليس ذلك فقط، فقد أصرّ "وليام" على إيقاف عادة حرق الأرامل الهنديّات بعد موت أزواجهنّ، وكان لاحتجاجه هذا الأثر الفعّال في إصدار قانون يُوقف هذا التّقليد الباطل.

لم يبقَ جزء من الحلم الكبير إلا وصار حقيقة، ولم تبقَ أمنية عند "وليام كاري" إلا وحقّقها. فرفع الشّكر إلى الرّبّ وقال: "انظروا ماذا فعل الرّبّ... لم يترك عملاً إلاّ وأنجزه".

وفاة وليام كاري

قبل انتقال "وليام" ليكون مع المسيح، زاره مُرسَلٌ شابّ يدعى "ألكسندر داف". أمضى "وليام" مع "ألكسندر" وقتًا مُمتعًا وهما يتكلّمان على الخدمة في بلاد الهند، وكيف تغيّرت الحال فيها بفضل البشارة والتّعليم والتّرجمة. عندما رأى "ألكسندر" أنّ وليام بدأ يشعر بالتّعب همّ بالانصراف، لكنّ "وليام" ناداه وقال له: "يا سيّد "داف"، لقد كنت تتكلّم على السّيّد "كاري"، لكن عندما أرحل، لا تقل شيئًا عن السّيّد "كاري"، فقط أذكر مخلّص السّيّد "كاري" وتحدّث عنه". ثمّ لفظ أنفاسه الأخيرة. لم يكن "وليام كاري" يريد أن يتحدّث النّاس عنه، بل أن يتحدّثوا عن مخلّصه العظيم، عن يسوع ذاك الإله الّذي ملأ قلبه بالمحبّة تجاه شعوب الهند الضّالّة. وهو الّذي يدعونا إلى أن نُحبّ تلك الشّعوب أيضًا وأن نذهب إلى العالم أجمع ونكرز بالإنجيل للخليقة كلّها.

آثار خدمة كاري

لا ننسى أنّ "وليام" آمن بيسوع، ولأجله ذهب إلى الهند. وهو آمن بأنّه يجب أن يتوقّع أمورًا عظيمة من الله وبأن يسعى ليحقّق أعظم الأمور للرّبّ. وهذا ما حصل معه، إذ أنجز الكثير الكثير. وعلى الرّغم من تحصيله العلميّ القليل في صغره، إلاّ أنّه صار معلّمًا عظيمًا وأسّس كلّيّة ومدارس عديدة وإرساليّة عظيمة.

تخطّت نتائج خدمته المباركة وتأثيراتها الهند إلى جميع أنحاء العالم. وبسببه التهبت القلوب وأُضرِمَت نار محبّة النّفوس الهالكة. فوسّع المعمدانيّون الإنكليز خدمتهم في الهند، وفتحوا حقولاً جديدة في "سيلان" وجزر المحيط الهنديّ وجزر أخرى من الهند الغربيّة و"جمايكا". وبسبب "وليام"، تأسّست الجمعيّات الإرساليّة في إنكلترا واسكتلندا وإيرلندا وألمانيا وأمريكا وفرنسا وهولندا. فخرجت الكنيسة إلى العالم تنادي ببشارة الخلاص وترفع لواء عمّانوئيل.

العالم، اليوم، مدين لعمل النّعمة بما أنجزته من خلال ذلك الإسكافيّ الّذي أصبح أبا الحركة الإرساليّة ورائد المرسلين في العصر الحديث.

بعد أن قرأت قصّة "وليام كاري"، ليت صلاة قلبك تكون : "أيّها الرّبّ يسوع، أريد أن أخبر الآخرين عنك. ساعدني على أن أكون مُرسلاً حيث أنا موجود. استخدمني يا ربّ، فأنا مستعدّ للذّهاب حيثما تريد. اجعلني أنا أيضًا أتوقّع أمورًا عظيمة منك، وأسعى لأنجز أعظم الأمور لك".

AddToAny