الموسيقى الصّاخبة وآثارها في النّفس البشريّة

الكاتب:
العدد:
السنة:

مراهقون يضعون السّمّاعات في آذانهم معظم الوقت، وشبيبة تسهر في المرابع اللّيليّة والمراقص... ومَن بقيَ في بيتِهِ يُدمِن على الفيديو كليبّات وقنوات الموسيقى الرّاقصة... ولا أحد يبحث بإخلاص في رسالة هذه "الفنون" وما تهدف إليه.

الموسيقى الصّاخبة وآثارها في النّفس البشريّة

منذ بزوغ عصر "الرّوك أند رول" في القرن الماضي، انحدرت الموسيقى لتصير فنًّا عبثيًّا يصنعه أناس يقصدون الأذى في أجيال الشّبيبة. فالموسيقى لم تعد اختبارًا فنّيًّا مُمتعًا، بل أصبحت تعبيرًا عن ضوضاء وابتذال، تُستهلَك من دون تفكير، وتُعبّر عن حالة النّفوس التّائهة الثّائرة وتعكس حالة الإنسان البائسة. وبدلاً من أن تكون الموسيقى سبب انتعاش، صارت أداة للموت الرّوحيّ والنّفسيّ وحتّى الجسديّ.

والسّؤال المطروح: أين أصبح ذلك الفنّ الّذي يهدي ويُعقّل ويُرقّي؟ هل تحوّل إلى جنون، إلى أغانٍ صاخبة، تدعو بمعانيها البذيئة إلى الانفلاش والفوضى والفراغ، وتحمل نوازع الرّفض وتفجّرها بشكل هستيريّ؟ لِمَ لم تعد الموسيقى تنشر سوى الطّقوس الباطلة القائمة على العنف والجنس والكفر والإلحاد؟

هناك مَن يريد لشبابنا أن يألفوا البشاعة والنّشاز والشّرّ والفوضى واللامعنى والضّياع. لقد بات الشّباب يميلون إلى النّغم والموسيقى الّتي تهز مشاعرهم وتحرّك عواطفهم من دون أن يعرفوا تأثيرها في الوعْي واللاوعْي. فَكَمْ من الأغنيات تهدف إلى تدمير كلّ ما هو مسيحيّ من إيمان وأخلاق وقِيَم لكي تطرح الشّباب تحت قيادة إبليس.

نموذج "إلفيس برِسلي" وتأثيره في الإنسان

معظم النّاس يذكر ظاهرة "إلفيس برِسلي" عام 1945، الّذي حرّض المراهقين ضدّ طهريّة الأخلاق وجسّد رغبتهم في التّخلّص من المحرّمات الجنسيّة والدّينيّة والعائليّة والاجتماعيّة. وصنع موضة في اللّباس والحركة والمشي والسّلوك، تستمدّ هويّتها من أغانيه وموسيقاه الّتي عبّرت عن الحبّ بشكل منفلت. فأصبح الشّباب، من خلال الكلمات والحركات المحرّضة الفاحشة، يُعبّرون بحرّيّة ووحشيّة عن رغباتهم. أمّا "البيتلز" فقد علموا مدى تأثير الإيقاع في موسيقاهم، فقالوا إنّها تستطيع أن تؤثّر في الجماهير وتخلق هالة من عدم الاستقرار. ومن ثمّ بدأت الفرق تنشر الموسيقى الدّمويّة الّتي تتغنّى بالخراب والموت والانهيار، وتدعو إلى الرّفض والثّورة على كلّ شيء، من العائلة إلى المدرسة فالدّولة والمجتمع. باختصار، هذه الموسيقى تدعو إلى الثّورة على كلّ سلطة بما فيها سلطة العقل.

طبّيًّا، إنّ هذا النّوع من الموسيقى القائم على الإيقاع يؤثّّر في الغدّة النّخاميّة، فتفرز كميّة من الهرمونات الّتي تسبّب انفلاتًا أخلاقيًّا، إذ تؤثّر في الأعصاب وتبطل التّفكير وتضعف السّيطرة على وظائف الجسم. هذا، وإنّ بعض الموسيقى قد طُوِّر ليُسهّل ردّة فعل الجهاز العصبيّ والدّماغ تحت تأثير المخدّرات فيقود إلى انفعالات أقوى، إلى هلوسات بصريّة وشميّة، وحواسيّة في الحلم واليقظة وتؤدّي إلى تحريف الواقع كما أنّها تُثير غرائز العنف والقتل والفتنة. والجدير ذكره أنّ رفع الصّوت إلى 20 د. ب.، الّذي يتخطّى قدرة الأذن البشريّة على التّحمّل، والإضاءة الفائقة القوّة الّتي تُستعمل بطريقة "الستروبوسكوب" ( أضواء متقطّعة)، تقود إلى انهيار القِيَم والأخلاق لدى الشّخص فيصبح سهل الانقياد. كما أنّ التّلاعب بألوان الأضواء، ونفخ الضّباب (الدّخان) يسبّب الانحراف ويُعيق التّصرّف الطّبيعيّ ويعطّل الإدراك الحسّيّ، ويقود إلى فقدان السّيطرة على الحواسّ وإلى إضعاف الدّماغ وقدرته على التّركيز.

وهنا ننتقل للحديث عن الفيديو كليبّات وما تحمله من مشاهد متلاحقة غير متتابعة لا تخاطب الوعي والفهم، وإنّما تمجّد التّشويش واختلال المنطق. قال "بوب ديمو"، مؤسّس "رؤيا المراهقين"، إنّ 60% من كلمات أغاني الرّوك تحمل معانٍ هدّامة أو مُحبِطة أو قذرة. وقال العالم النّفسانيّ "روبرت ديمسكي" إنّها تؤدّي إلى تحجّر عاطفة الأولاد فتتطبّع فيهم الوحشيّة والانحطاط الخلقيّ والفكريّ. أمّا الأخصائيّ الفرنسيّ الدّكتور "فرانسوا ريبون"، فقال إنّها تغيّر من الشّخصيّة وتسبّب الغضب والعصبيّة والعنف وتجعل المستمع في حالة عداء غير مبرَّر يقوده إلى الانفراد والعزلة.

يا أهل، هل تعرفون ما يسمعه أولادكم؟

قليل من الأهل يستمع لهذه الأغاني الّتي تدعو إلى تعاطي المخدّرات والإدمان، وتُحرِّض على الانتحار والعنف، وتحضّ الشّبيبة على الممارسات الجنسيّة والإباحيّة، الأمر الّذي يدفع الشّباب إلى اكتساب فكرة خاطئة عن ماهيّة الحبّ. وهذه الدّعوة واضحة في كلمات الأغاني، بالإضافة الى الحركات الّتي يقوم بها المغنّون والثّياب الّتي يرتدونها. والأخطر أنّ هذه الأغاني تُروّج بقوّة ووضوح لإنكار الله والتّكريس للشّيطان. وكم من الأغنيات ذات الكلمات المخجلة تُغنَّى على خلفيّة من التّراتيل الكنسيّة. ونذكر على سبيل المثال، أغنية "إيروتيكا" لـ"مادونا"، الّتي غنّتها على لحن ترتيلة "اليوم عُلِّق على خشبة". أو موسيقى فرقة "إنيغما" الّتي تُقدّم موسيقاها وأغنياتها بأسلوب التّراتيل، بينما كلمات أغانيها كلّها كفر وإباحيّة وتأوّهات. وهنا سأذكّر بقول "جون لينون": "إنّ المسيحيّة سوف تمضي ونحن سنكون المعروفين للمسيح الدّجّال". باختصار، معظم الأغاني تمجّد الجنون وتدعو إلى التّحرّر من كلّ القيود، وإلى إهمال الدّراسة وعيش الانفلاش وحياة الفوضى.

مَن يقف خلف هذا الجنون وماذا يُريد؟

هل هي مجرّد مصادفة أن تتضمّن الصّرعات الموسيقيّة كلّ ما ذُكر، أو أنّ هناك قوى شرّيرة تسعى لهدم المجتمعات وتخريب الشّباب الّذين هم جيل المستقبل؟ من الواضح أنّ هذه الموسيقى ومَن يقف خلفها يسعون لتشويه الإنسان في جوهره، وتجريده من كلّ الأحاسيس النّبيلة والقِيَم الرّوحيّة والأخلاقيّة، فيبقى أسير المخدّرات والجنس والعنف والإلحاد، فيضعف أمام الشّرّ المتحكّم في العالم اليوم، ويستسلم له.

نُذكّر بتعليم الكتاب المقدّس: "إنّ أجرة الخطيّة هي موت"، وكلّ شخص أكان مغنّيًا أم عازفًا أم مؤلّفًا أو حتّى مُستمعًا سينال أجرة لخطاياه. فلِمَ نشترك في خطايا أُناس فاسدي الذّهن والأخلاق يُروّجون موسيقى وكلمات تحطّ من قيمتنا وتُغرقنا في الشّهوات وتُبعدنا عن الله وتجعلنا غير مرضيّين أمامه؟ الله قدّوس، وعيناه أطهر من أن تنظرا الشّرّ، ويُريد من أولاده أن يكونوا هم أيضًا قدّيسين، فلنحفظ عيوننا وأذاننا وأرواحنا من دنس أشخاص غير مؤمنين، يبثّون بأغانيهم وموسيقاهم شرورهم الّتي لا تُرضي الرّبّ!