الموقف المسيحيّ من الإجهاض

العدد:
السنة:

بالنّسبة إلى الكثير من المسيحيّين اليوم، الإجهاض هو أمر مفروغ منه ولا يستحقّ النّقاش.  إلاّ أنّنا لا نستطيع تجاهل الأسئلة حوله، لئلاّ نُفوّت على أنفسنا فرصة مُساعدة الآخرين، لا سيّما أنّ عدد الأطفال الّذين يُجهَضون في العالم يُقدّر بالملايين.  وفي الوقت عينه، نعترف بأنّ مواجهة المسائل الأخلاقيّة الّتي لم يسبق لبعض المؤمنين مواجهتها من قبل، قد تُزعزع إيمانهم.  لكنّ هدفنا من هذا المقال واضح، وهو بنيان المؤمنين في الموقف المسيحيّ، وليس هدمهم.

تُشير إحصاءات مؤسّسة "Alan Guttmacher" إلى أنّ عدد الإجهاضات الّتي حصلت سنة 2000 هي 1.3 مليون، وهو عدد قليل في نظرهم.  وعلى الرّغم من أنّ عدد الأطفال الّذين يُقتَلون في رحم أمّهاتهم يتناقص سنة بعد سنة، إلاّ أنّ عددهم ناهز ال 43 مليون منذ سنة 1973.  بمعنى آخر، إنّ عمليّات الإجهاض هي أكثر العمليّات شيوعًا في العالم، ومجموع قتلاها يفوق ضحايا جميع المجازر والحروب الّتي حصلت خلال الرّبع الأخير من القرن الماضي. 

موقف الكتاب المقدّس من الأجنّة

ينظر ­الكتاب المقدّس إلى الجنين ككائن بشريّ حيّ وحقيقيّ؛ فالله خلق الإنسان على صورته (تكوين 9: 6) وكلّ النّفوس هي له (حزقيال 18: 4).  وهو قد عرف الإنسان قبل أن صوّره في البطن، وقدّسه قبل خروجه من الرّحم (إرميا 1: 5).  والله ينظر إلى النّسيج الّذي يسبق تكوين الجنين كإنسان فيه نفس وروح، حتّى قبل صنع العظام وباقي الأعضاء (مزمور 139: 13-16).  اعترفت حنّة أمّ النّبي صموئيل، بأنّ الله هو الّذي يُميت ويُحيِي (1 صموئيل 2: 6)، وهذه الحقيقة ثابتة وتنقض ادّعاء الإنسان بحقّه في إجراء الإجهاض والموت الرّحيم.  نحن مدعوّون، كمسيحيّين كتابيّين، إلى أن نعلم كيف نُجيب كلّ إنسان بكلمة الله (كولوسي 4: 6)، وذلك لحثّ النّاس على معرفة مشيئة الله والعمل بها.  بناءً على ما سبق، نحن مدعوّون إلى المحافظة على حياة الأجنّة.

بعض أسباب الإجهاض

بحسب مؤسّسة "Guttmacher"، هناك 92 % من عمليّات الإجهاض لا تُجرى لضرورة صحّيّة، بلْ لمجرّد ملاءمتها لوضع الأشخاص المعنيّين بهذا الإجهاض، كالعوَز المادّي 21 % ، عدم الاستعداد لتحمّل المسؤوليّة 21 % ، التّغيير الّذي قد يطرأ على حياة المرأة 16 % ، عدم النّضوج الجسديّ والفكريّ 11 % ، مشاكل في العلاقات وعدم الاقتران بالزّواج 12 % .  وهذه الحالات المتنوّعة لا تنمّ إلاّ عن أنانيّة تضع الإنسان مكان الله خالق الحياة. 

إجهاض ضحايا الاغتصاب

إحصاءات "Guttmacher" تشير إلى أنّ عمليّات الإجهاض  النّاتجة من اعتداء جنسيّ أو سِفاح القُربى تُشكّل فقط 1 % من مجموع عمليّات الإجهاض.  ولكن، إرغام امرأة على أن تحمل طفلاً ناتجًا من اغتصاب ما، يجعل الكثير من المؤمنين حيارى في السّماح بالإجهاض أو عدمه.  إلاّ أنّه، وفي هذه الحالة أيضاً، يُفضّل العودة إلى الكتاب المقدّس.  فالله لا يزال ممسكًا بزمام الأمور، وبكونه إله الحياة الّذي لا يتغيّر، فهو أيضاً يملك هذا الطّفل ويعرفه ويُحبّه ويقدّره (انظر إلى المراجع الكتابيّة السّابقة).  وعلى الرّغم من أنّ الأمّ، من دون شكّ، هي ضحيّة، فإنّ إجهاض طفلها سيخلق ضحيّة أخرى؛ ذلك لأنّ الإجهاض يترك سماته على المرأة، ممّا يؤدّي في الغالب إلى إحباط نفسيّ ومشاكل صحيّة أخرى.  وهكذا، فإنّ إجهاض هؤلاء النّساء المُعتدى عليهنّ سيخلق أزمات أخرى.

الإجهاض لأسباب مَرضَيّة

كيف تتعامل مع "معضلة" الحمل في ظروف صحيّة صعبة؟ تنقسم الآراء حول هذه "المعضلة" إلى أربع فئات:

  1. في بعض الحالات، تكون معرفتنا محدودة وتصاريحنا العقائديّة مبنيّة على مخاوف شخصيّة.  على سبيل المثال، التقيت امرأة كانت متأكّدة من أنّها ستفارق الحياة خلال الولادة إن لم تُجهِض جنينها، إلاّ أنّ الولادة في ما بعد كانت ناجحة، ووُلِدَ الطّفل سالماً.
  2. في بعض الأحيان، قد تكون معالجة المرأة الحامل ومراقبتها الطّبيّة عمليّتين خطيرتين، إلاّ أنّهما في نهاية الأمر قد تكونان مفيدتين للأمّ والطّفل. 
  3. إنّ أخطر الأوضاع هي عند الإصابة بالسّرطان، لأنّ الدّاء إن لم يُعالج، فالأمّ ستموت.  في هذه الحالة يُسلّم أمر الجنين لله الّذي يفوقنا معرفة وحكمة.  إلاّ أنّ هناك حالات مماثلة كثيرة انتهت بأطفال وأمّهات أصحّاء.
  4. في بعض الحالات، يكون الخيار السّليم بانتظار فترة نهاية الحمل، لتتمّ المعالجة.وسرطان الثّدي هو خير مثال على هذه الحالات.

    ختاماً، بما أنّ ملايين الأطفال تُجهَض في العالم، وهذه جريمة لا يجوز السّكوت عنها، فعلى المسيحيّين معرفة ما هو موقف إيمانهم من هذا الموضوع، والتّحرّك لمقاومة الإجهاض.  وإذا أردنا، نحن المؤمنين، أن نترك أثراً طيّباً في حياة الآخرين، يجب أن نكون مستعدّين لمناقشة هذه المواضيع، وإعلان موقف إيماننا منها.

الدّكتور تيد هاريس

طبيب نسائيّ

AddToAny