الهلّلويا! تُحفَة هاندل الفنيّة

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

إنّها السّاعة الثّانية عشرة  من ظهر يوم الثالث عشر من نيسان 1742، والعالم يستمع لأوّل مرّة إلى الأنغام البارزة والجوقات المهيبة لأشهر موسيقى دينيّة كُتِبَت على الإطلاق. ولم تتوقّف منذ ذلك الحين صالات الحفلات الموسيقية حول العالم عن عرض الـ Messiah، الّتي ألّفها جورج فريدريك هاندل. شهدت مدينة دبلن العرض الأول للـ Messiah الذي لاقى ترحيبًا حماسيًّا من السّكان. وتحدّث نُقّاد "جريدة دبلن" عنها بإعجاب واعترفوا بأنّها القطعة الموسيقيّة الأكثر اكتمالاً. وقد عُرِضَت مرّتين، واصبحت بعد ذلك بعامين تُعرَض سنويًّا في دَبلِن. لم تُرَحِّب بها لندن بل انتقدتها ولم تُروِّج لها حتّى سنة 1749.

تحوّل هاندل بعد فشله في الأوبّرا إلى كتابة الموسيقى الخاصّة بالمواضيع الدينيّة. وتميّزت الـ Messiah بنوعها الأدبيّ وبأسلوبها. وضعها الملحّن ليؤدّيها أربعة مغنّين مع آلات وتريّة والجهير (الباس) المستمر وطبلين وبوقين. وقصد بذلك انتاج عملٍ فنيّ مميّز يمكن أن يُقدَّم في أيّ مكان. وقد عاش هاندل معظم حياته فقيرًا، وأتاحت له قطعة موسيقيّة كالـ Messiah، الّتي يمكن أن تُؤدَّى من قِبَل مجموعاتٍ صغيرةٍ من المغنّين، الفرص لجمع المال وهو في أمسّ الحاجة إليه.

بُنيَ نصّ الـ Messiah الّذي دوّنه تشارلز جنينز على مقاطعَ من الكتاب المقدّس تتعلّق بشخص المسيح. وربط آيات من العهدين القديم والجديد مُستخدمًا أكثر من ترجمة للكتاب المقدّس ليتمكّن من بناء نصّ شعريّ صحيح. وعدّل بالمقاطع ليحافظ على موازين العروض وليُبقي النّصوص في صيغة الفعل المـُضارع. وبرهنت قدرته على ربط الكلمات ببعضها من دون العودة إلى المقطع نفسه أو تكراره على أنّه رجل كماليّ وشديد الإهتمام بالتّفاصيل. أمّا هاندل الذي كان يقول بأنّه يعرف الكتاب المقدّس كأيّ أسقف فقد أجرى بعض التّعديلات على النص فجعله أجمل.

قصد جنينز، وهو أنجليكاني تقيّ، من خلال نصّه أن يهاجم الّذين أنكروا ألوهة المسيح، فاقتبس من أشعياء 9: 6 "وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ". ونجح في تحقيق ذلك إذ أنّ الـ Messiah تُصوِّر المسيح كابن الله ومكمّل النّبوّة ومخلّص العالم والملك الآتي. حتّى أنّ جون نيوتن، الّذي تحوّل من تاجرٍ للرّقيق إلى واعظ انجيلي، قدَّم خمسين عِظَة من النّص. وقال ان هذه المقطوعة اشتملت على كل حقائق الانجيل الأساسية بالرغم أنّه استخدم عظاته ليوبِّخ الّذين عظّموا الموسيقى على كلمة الرّبّ.

وحّد هاندل النصّ والموسيقى في شكل رائع في هذا العمل الفنّيّ العظيم الّذي دوّنه في ثلاثة وعشرين يومًا على الرّغم من معاناته من آثار ما سبق أن أصيب به من جلطة دماغيّة. وغالباً ما ترتقي الموسيقى مع هاندل إلى مستوى رفيع من الجمال والعاطفة والقوّة. وهنا تصل الـ Messiah إلى ذروتها عند قرار الهلّلويا الّذي قال عنه هاندل بتأثّر: "ظننتُ أنّني رأيت كلّ السّماء أمام عينيّ والله العظيم نفسه".

AddToAny