الوحدة القاتلة

الكاتب:
العدد:
السنة:

كان كلّ شيء "حسن"، و"حسن جدًّا"، حين خلق الله السّموات والأرض وكلّ ما فيها. ثمّ تطلّع من عليائه فوجد شيئا "ليس حسنًا". نقرأ عنه في تكوين 2: 18، "وقال الربّ الإله: "ليس جيّدًا" أن يكون آدم وحده." الشّعور بالوحدة آفة في المجتمع الحالي. صرّح الكاتب الإنكليزي أحد آباء الخيال العلمي، هربرت ويلز: "أنا في الخامسة والستين من عمري؛ لم أنعم يوماً بالسّلام والهناء لأنّي وحيد!" وقال الرّوائي إرنست همنغواي، "أعيش في فراغ، وحيدًا كمذياع فرغت بطّاريته وليس من تيّار كهربائي لشحنها". وكتب المؤلِّف المسرحي الحائز على شهادة نوبل في الأدب عام 1936، أوجين أونيل، "المعنى الوحيد للحياة هو الموت". مات الأول (ويلز) مستوحدًا يائسًا، والثاني (همنغواي) منتحرًا برصاصة في رأسه، أما الثّالت (أونيل) فوجد دواءه بالإدمان على المخدرات. معظم الشّباب المعاصر يشعر بالوحدة والغربة لدرجة الهوس. فالكاتب الأمريكي جيروم ديفيد سالينجر، اعتزل المجتمع، وعاش ناسكًا حوالي الخمسين عامًا.

 

الشّعور بالوحدة مشكلة أساسيّة في الحياة المعاصرة. تحسّ بها ولو كنت في احتفال ضخم محاطًا بجمع غفير. وجدت في صفحة إلكترونيّة التّعريف التالي، "الوحدة هي الشّعور بالفراغ والخِواء في داخلك. تشعر بالعزلة، أو بالانفصال عن العالم، أو بالغربة وسط أحبائك ومن ترغب بالتواصل معهم". غالبيّة طلاب الجامعات حول العالم يعانون من هذا الشعور القاتل. فكيف نتعامل معه أو نتغلّب عليه؟  

 

مشاعر الوحدة متفاوتة

ثمّة درجات متعدِّدَة من الشّعور بالوحدة. ينكفئ الإنسان بسبب أحساس طفيف بالفراغ، أو شعور غامض بأنّ الأمور ليست على ما يرام، أو حرمان شديد، أو ألم دفين. هناك شعور بالوحدة ناتج عن فقدان شخص عزيز بسبب الموت أو السّفر أو لمجرّد الابتعاد. وقد تأتي هذه المشاعر بعد نوبة عمل ليليّة فيجد المناوِب نفسه وحيدًا، منفصلًا جسديًّا عن الآخرين، لا يمكنه التّواصل معهم. وهناك الوحدة النفسيّة أو العاطفيّة حين ينعزل الفرد وهو وسط جمع من النّاس والأصدقاء. أحيانا يظنّ شاب أن ليس في العالم كلّه من يتفهّمه، ويهتمّ به، ويتنبّه لوجوده، ويحسّ به، فينطوي وينعزل.

 

حضارتنا العظيمة أنتجت سّيارات وأقمارًا اصطناعية وعانقت الفضاء، لكنّها لم توفّر الحماية من الوحدة القاتلة، ولم تضمن عدم تفكك العائلات. يصل الوالدان من العمل منهكَين؛ يجلسان لا يتحادثان، ولا يصغيان إلى أبنائهما. ثقافة العصر هي تباعد وطلاق وإحباط وتوحّد. صرّحت صبيّة، "أشعر بوحدة رهيبة، لا أحد في الجوار يحادثني". وقال شاب، "تخلّى عنّي كل أصحابي، لن أكوّن صداقات بعد الآن."

 

يُعاني ملايين البشر من الوحدة القاتلة! تشير الإحصائيّات إلى الانتحار كثالث مسبِّب للوفاة بين الشّباب الّذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، وذلك بعد حوادث السّير والجريمة. كلّ ساعتين وستّ دقائق، ليلّا ونهارّا، ينتحر شابّ في الولايات المتحدة بمعدّل 84 شخصًا في الأسبوع، أو 340 في الشهر، أو 4000 في السّنة. يجمع علماء النفس على أنّ السّبب الرّئيس هو الشّعور بالوحدة. لقد أعلن بحقّ، "ليس جيداً أن يكون الإنسان الّذي خلقته وحيدًا."

 

مسؤوليّة الإنسان الذاتيّة

مشاعر الوحدة حالة سلبيّة. تلازم المرء طالما يحتفظ بها ولا يخطو للسّيطرة عليها وتغيير وضعه. يأمل التخلّص منها، ويتركها أيضًا تحيط به لتصير هواء يتنفّسه. هكذا يغرق في الإحباط والعجز والاكتئاب. وهذا يؤدي إلى حالة أكثر سلبية ويأسا. يظلّ الإنسان مستوحدًا ما لم يتّحرّك إيجابيّا ليغيّر وضعه.

 

يظنّ البعض أنّ الهروب علاجٌ. هذا ليس صحيحا! يمكن للإنسان التخلّي عن الصّحبة، والعائلة، والكنيسة، والعمل؛ لكنّه لن يتخلّى عن ذاته. تستمر المشاعر السلبيّة تلاحقه مع البؤس. عالج قايين مشاكله مع أخيه والعائلة والله بالهرب. فأجابه الرب، "ستظلّ تائهًا وهاربًا في الأرض" (تكوين 4: 12). عالج يعقوب سلبيّاته وأخطاءه بالأسلوب ذاته. فهرب عشرين سنة.

 

وهب الله حوّاء لآدم. يشير هذا الأمر إلى العائلة. لا تهرب من عائلتك؛ لماذا تعيش وحيدًا؟ من ناحية ثانية، بحسب تفسير سكوفيلد للكتاب المقدس، فإن زوجة آدم هي صورة للكنيسة المحلّية، عروس المسيح. قدّمها الرب لآدم معينًا ورفيقًا ليعالج وحدته. وضع الله الكنيسة المحلية ليشفي الوحدة القاتلة حين تصادفك. في الكنيسة تجد الرفيق والمعين. "هوذا ما أحسن وما أجمل أن يسكن الإخوة معا. هناك أمر الرب بالبركة، حياة إلى الأبد".

 

الشعور الوجودي بالوحدة

حين صرخ همنغواي، "أعيش في فراغ فاتل"، كان يعبِّر عن جوع داخليّ عميق في قلب الإنسان لا يملأه سوى الله. شرح هذا الشعور الوجودي بالوحدة (existential loneliness)، في كتابه: "مكان نظيف ومشعّ" (A Clean, Well Lighted Place). المؤسف أن همنغواي سمح لهذا الألم أن يلتهمه فانتحر بدل التغلّب عليه. قال الفيلسوف فريدريك نيتشه: "لقد مات الله". فتحوّل مُلحدًا، بعدئذٍ اختلّ توازنه العقلي. لم يتحمّل العيش في عالم بدون إله وغفران وقصد ورجاء.

 

يحتاج كلّ إنسانٍ إلى الله. إنّه الحنين إلى الخالق. من مآسي القرن الحادي والعشرين أنّ الناس، خاصّة الشّباب، لا يعرفون الله كما تجب معرفته. شدّد القدّيس أغسطينوس، ومن بعده الفيلسوف الفرنسي باسكال، على أنّ قلب المرء لا يطمئنّ وروحه لا تستقرّ حتى يجد الله. ثمّة توق وجودي إلى الله، بقعة شاغرة لن يشغلها أحد سواه. سبب هذا الفراغ القاتل بحسب الكتاب المقدس هو الخطيّة، "آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم" (أشعياء 59: 2).

 

باعدت الخطية بين الله والإنسان. طُرد آدم وحواء من جنّة عدن لأنهما اخطآ، فانفصلا عن خالقهما. يكره الله الخطيّة لكنّه يحبّ الإنسان. فجاء المسيح ومات على الصليب، لكي يصالح بينهما. دفع قصاص الخطيّة واللّعنة فتبرّر الله وصفح عن كلّ من يؤمن ويتوب ويصمّم العيش حياة برّ وطاعة. لما مات يسوع في الجلجثة حدثت زلزلة وانشقّ حجاب الهيكل الفاصل بين القدس وقدس الأقداس. وصار ممكنا للتّائب الاقتراب من عرش النّعمة والتّمتع بعشرة الله والتّشبه بقداسته والتّلذذ بعبادته. ليس من طريق آخر للتّغلب على الوحدة والخوف والابتعاد من إله غاضب إلا دم يسوع الذي يطهر كلّ الآثام.

 

"ليس جيدا أن يكون آدم وحده!" لهذا أوجد الله العائلة والكنيسة ليتغلّب الإنسان على الشعور بالوحدة والكآبة جسديّة كانت أو معنويّة أو نفسيّة أو روحيّة. عد كلّ ليلة إلى البيت لتنعم بالدّفء والرّاحة والأمان والعلاقات الطيّبة. وتعال كلّ أسبوع إلى الكنيسة لترشدك إلى يسوع وتشرح لك طريق الخلاص والتغيير والولادة الجديدة. ولتقودك إلى الشفاء بالروح القدس ولتنال القوة من الله. وعد أيضًا إلى يسوع، ابن الله، تعرّف به واسلم، فتنال خيرًا، وتستقيم سبلك.

AddToAny