الوصايا العشر: مِقياسٌ أبديّ أم من الماضي؟!

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

هل ما زال هناك حاجة للوصايا العشر؟ كثيرون يتجاهلونها ويظنّون أنها كُتبت لعصر قديم، ولا تصلح ليومنا هذا. والنتيجة هي أنَّهم صاروا بلا مقياس أخلاقيّ وأدبيّ واضح. والمعايير التي يتبنّونها صارت تعتمد على الأعراف والموضات والعادات التي تتغيَّر بسرعة تَغيُّر المناخ. الأمر الّذي أدّى إلى انحطاط الشعوب وتدمير المجتمعات بإسم الحريّة والتقدّم. فهلّ هذه الحريّة من عند الله؟

ليس الله إلهًا حياديًّا ومُتفرّجًا، بل قد أعلن عن رأيه ومشيئته لحياة البشر. الوصايا العشر هي أهمّ هذه الوصايا التي أراد أن يُعلنها بوضوح لهم. هي الميزان والقانون الّلذان سيحاسِب بهما الإنسان. هي الوصايا الوحيدة التي كُتبت على ألواحٍ حجريّة من الرّب مُباشرة: "ثُمَّ اعْطَى مُوسَى عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْكَلامِ مَعَهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ لَوْحَيِ الشَّهَادَةِ: لَوْحَيْ حَجَرٍ مَكْتُوبَيْنِ بِاصْبِعِ اللهِ." (خروج 18:31). فالرّبّ تكلّم بطرق كثيرة ومنها عبر الأنبياء والرسل، لكن هذه الوصايا هو كتبها بنفسه ونطق بها على مسامع الشعب. قال النبيّ موسى: "هَذِهِ الكَلِمَاتُ كَلمَ بِهَا الرَّبُّ كُل جَمَاعَتِكُمْ فِي الجَبَلِ مِنْ وَسَطِ النَّارِ وَالسَّحَابِ وَالضَّبَابِ وَصَوْتٍ عَظِيمٍ وَلمْ يَزِدْ. وَكَتَبَهَا عَلى لوْحَيْنِ مِنْ حَجَرٍ وَأَعْطَانِي إِيَّاهَا." (تثنية 22:5).

أمّا يسوع فصرّح أنّه لم يأتِ لينقض النّاموس أو الأنبياء بل ليُكمِّل ما ابتدؤوه . ولذا لم يعتبر الرسول بولس أنّه يحقّ له أن ينقض ناموس الوصايا بل يُثبّتها (رومية 3 :31).  وقد وصف الناموس بأنه مُقَدس وروحي "إِذًا النَّامُوسُ مُقَدَّسٌ وَالْوَصِيَّةُ مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ" (رومية 12:7)، "فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ" (رومية 7 :14).  فرغم أنّه يوجد في العهد القديم فرائض وذبائح وتدابير طقسيّة خاصة قد أكمِلت وانتهت مع موت المسيح، إلاّ أنّ الوصايا العشر تَصلح لكلّ جيلٍ فهي لا تتعلق بفرائض أو بأمور خاصّة بشعب اسرائيل وحسب، بل هي شرائع أساسيّة تُظهر قانون الله لشعبه في كلّ زمان ومكان وعلى الجميع أن يبني عليها.

وإن وُجِدت وصايا وتحذيرات في العهد القديم تُناسب حياة البريّة والمجتمع من ألاف السنين، إلاّ أنّ الوصايا العشر ليست ظرفيّة، بل تتجاوز الأزمنة كاشفة مصدرها السماويّ. وإن كان المجتمع في القديم مليئًا بالخرافات وعبادة الأوثان والعُنف والعيش بحسب مبدأ القوة، فماذا نقول عن مجتمعنا الّذي يعيش ظروفًا مماثلة؟ أليس أكثر ما يحتاج إليه هو الوصايا العشر؟

فماذا نعتمد لشفاء الأمراض التي يُعاني منها المجتمع البشريّ؟ هل مفاهيم النّاس التي أثْبتت فشلها؟ أم المبادئ التي وضعها الله لتصحيح حياة الناس وتنظيمها؟ والسؤال هو: إن كان الربُّ هو إلهك أفلا تعنيك وتهمّك كلماته؟ كيف تظن أنّك تنتمي إليه وتعبده وتتبعه وأنت لا تعرف وصاياه! يقول البعض مُخطئين أنه ما دام عندنا المسيح فلا حاجة للوصايا. كتب اللاهوتي البيوريتاني الشهير توماس واتسون في أحد كُتُبِه عن الموضوع: "الوصايا العشر هي ليست المسيح بل نجمة تقود إليه". ببساطة مَن لا يسترشد بهذه الوصايا ويسمح لها أن تَحكُمُه ستكشف عيوبه وتدينه. من المفيد التذكير أنّ من كتب هذه الوصايا هو الكائن الأزليّ، يسوع المسيح، الذي لا يتغيّر، ومن لا يقبلها كما يقبل كلمته، بإمكانه أن يدّعي أنّه أيّ شيء إلاّ كونه مسيحيًّا.