الوقوف في بقعة الضّوء

العدد:
السنة:

الجميع يحبّ أن يتميّز أمام النّاس. كلّ واحد منّا يريد أن يكون جذّابًا، لَبِقًا في الكلام، ذا مركز محترم، وينظر إليه الآخرون على أنّه قدوة وذِكره طيّب. لكنّ صفات كهذه تُرتِّب على صاحبها مسؤوليّة كبيرة. فلا يكفي أن يكون الواحد ذا شخصيّة مرموقة، بل عليه أن يتصرّف على هذا الأساس بشكل دائم. كثيرون يظهرون في صورة رائعة عن بُعد، لكن إذا ما اقتربنا منهم واختبرناهم نجدهم دون تلك الصّورة. حبّذا لو كان هناك مكان يجتمع فيه النّاس، ثم يتقدّم كلّ بدوره ليتكلّم على نفسه أمام الجميع، فيشهد له مَن اختبره في السّابق إذا كان ما يقوله صحيحًا!

تصير هذه الأمنية اختبارًا مزعجًا إذا ما مرّ أحدنا فيه. تخيّل أنّك تدخل مَسرحًا مليئًا بالحاضرين، وتصعد إلى المنصّة للكلام، فيسكت الجميع. تقف أمام المذياع، أطرافك ترتجف، تُطفأ الأنوار ثمّ يُضاء نور كاشف في وجهك من بعيد، قويّ لدرجة يجعلك تريد إغماض عينيك أو على الأقلّ وضع يدك فوق حاجبيك. وإذ تعجز عن التّغلّب على النّور الّذي يُبهِرك، تنظر من حولك ولا ترى إلاّ السّواد الحالك، وكأنّ الجمهور اختفى! أنت تعرف أنّهم هناك، لكن، وبسبب الضّوء القويّ وشعور الرّهبة، تفقد الإحساس بهم. تعلم أنّه عليك الكلام ولا تستطيع إلاّ قول الحقيقة لأنّ الحضور يعرفك جيّدًا. وعلى أساس ما تقوله سوف يتمّ الحكم عليك. الممثّلون في المسارح يعتمدون على ثيابهم، مساحيق التّجميل، المؤثّرات الصّوتيّة، الدّيكور الموجود، وسيناريو متقَن حتّى يستطيعوا التّأثير في الحضور. أمّا أنت فلا تملك أيّ شيء من هذا! هل من الممكن أن تصل إلى الهدف الّذي ترجوه؟

في الحقيقة، جميعنا سوف نمرّ في اختبار مشابه إلى حدّ ما. لكنّنا لن نقف أمام جمهور، بل أمام شخص واحد، هو السيّد المسَيطِر على الكلّ والجالس"في يَمِين العَظَمَة"، الّذي أمام هيبته يقف الجميع "بِخَوف ورِعدَة". عندها، يسطع في وجهك إشعاع قويّ لأنّه "ساكِن في نُور لا يُدنَى منه". في تلك اللّحظات، لن يكون لديك ملابس ومساحيق ومؤثّرات تكسوك فـ"كلّ شَيءٍ مَكشوف وعُريان أَمام ذاك الّذي مَعَه أَمْرنا". يقول لك: "هَلُمَّ نَتَحاجَج"، وأنت لا تقدر على أن تقول إلاّ الحقيقة، لأنّه "فاحِصُ القُلوب وعارِفٌ جميع تَصَوّرات الأفكار". هل تقول له: لقد صلّيت وصُمت وعَمِلت الصّالحات! لا يكفي، لأنّه "ليس بارّ، ليس ولا واحِد". وهل تقول له: لقد حفظت الوصايا! أيضًا هذا لا يُجدي نفعًا لأن "مَنْ عَثَر في واحِدَة، صار مُجْرِمًا في الكُلّ". لن تستطيع قول شيء، بل ستقف بخوف في حضرة الحكَم. قد ترجو التّنعّم برحمته في تلك السّاعة. لكنّ تلك الّلحظة ليست للرّحمة الّتي أحاطت بك طيلة أيّام حياتك، أمّا الآن فأنت في بقعة الضّوء تنتظر الحُكم. وسترى في يدِ الجالس على العرش سِفرًا مكتوبًا مَختومًا هو سفر الحياة، وحده يقدر على فتح ختومه. ومَن سبق وآمن بِه يَجد اسمه مُدَوّنًا فيه. وتُفتح أسفار أخرى أيضًا، وسنُعطي حسابًا عن أعمالنا بحسب المدوّن فيها. فطوبى للّذي يجد اسمه مكتوبًا في سفر الحياة، لأنه سيُعطى سلطانًا أن يملك معه. لن يطول الوقت ويقف كلّ منّا أمامه، إذ وعد "ها أَنا آتي سريعًا"، فهل نستعدّ للوقوف أمامه؟