بداية التغيير

الكاتب:
العدد:
السنة:

وبَّخَ النبيُّ هوشع أبناء شعبَ الله القديم على عدم ادراكهم واقعهم المرير بسبب كبريائهم وخطاياهم وانشغالهم عنه بأمور كثيرة، وشبَّههم برجل "أكل الغرباء ثروته و هو لا يعرف و قد رُشَّ عليه الشيب وهو لا يعرف" (هو٧׃٩). واستعاض الشعب عن الاستماع إلى الله لمعرفة حقيقة المشكلة وكيفيَّة الحل، بالشروع في محاولات متنوعة متكلاً على قوّته الذاتية لاسترجاع القوة والحرية المفقودتين فحصد الأسوأ وسخِر منه الكثيرون.

يشبه واقعنا حالة الشعب آنذاك. فالصعوبات المادّية والنفسّية والمخاوف التي يثيرها فينا الكثير من الأمور وغيرها تُشغل أفكارنا وتسرق مّنا نوم الليل وراحة البال. ويتجاهل أكثرنا الواقع ويُنكره أو يحاول إيجاد حلول سريعة له من صنع أيديه.  قد نصّلي ولا يحدث تغيير فتزداد الأمور سوءاً، ثم نتجرَّأ ونسأل الله كما سأل أيوب "فهِّمني لماذا تخاصمني" (أي ۲׃۱٠). ما أصعب الشفاء عندما نخطىء في تشخيص المرض.

قد يظنُّ البعض أنه يجب أن يلجأ إلى ممارسة فرائض روحيَّة تقويَّة وتعبِّر عن إخلاصه ومدى رغبته في تحسين وضعه. لكن ذلك يُحمِّلُهُ أعباء جديدة ويزيد في تعب ضميره. ويشعر البعض الآخر بالخوف، في مواجهة صمت الله وتزايد رداءة الوضع، فيزيد في ابتعاده عن الله ويشرع في إيجاد المبرّرات لخيارات نافلة لا يرضى الرب عنها. وهنا يسود الغضب وتَعِم البرودة ويسيطر الخوف من جديد. ويقع آخرون كُثر فريسة العالم الشرير، فيلجأون إلى الترفيه والتخدير مُستسلمين لملذّات هذا العالم وشهواته، ويضيّعون بذلك الوقت والمجهود والعمر.

المطلوب أولًا نظرة صادقة إلى القلب لمواجهة ما في داخله، كما في صرخة الملك داود:"اختبرني يا الله واعرف قلبي امتحني واعرف افكاري ... واهدني طريقاً ابدياً". قد تبدو النظرة الشجاعة والصادقة مُحبِطة، لكنها أساسية إذا أردنا التحوّل من صورة إلى أخرى لنشبه صورة يسوع المسيح. ولا نعتمد هنا على أدائِنا، بل على نعمة الله الغنية التي تستطيع لوحدها أن تقودنا إلى اختبار دوافعنا وإلى سكب نفوسنا أمام فاحص قلوب البشر.

من الضروري أن نركّز على الجزء الكبير غير المرئي من الجبل الجليدي القابع تحت سطح المياه، لأنه المسبّب الأكبر لدمار الحياة وانهيارها روحيًا. علينا، لذلك، أن نعمل على تسليم حياتنا إلى الروح القدس ليبّدل فيها الأشياء غير المرضية بدئًا من القلب والفكر. كما علينا أن نعرف حقيقة نفوسنا، وهذا يشكّل لوحده بداية لأي تغيير حقيقي ولأي نضج روحي مُتوقَّع.

AddToAny