بطاقات الائتمان بين تسهيل الحياة المعاصرة وتعقيدها

العدد:
السنة:

"شريك لحياة أفضل" هو الشّعار التّسويقيّ لإحدى هذه البطاقات. قلّما نجد في أيّامنا هذه مَن لا يحمل عدد منها، وكلّ واحدة لها مزاياها ومواصفاتها، إن من ناحية سقف الدَّين أو طريقة تسديده أو فترة السّماح، والحسومات والجوائز، إلخ... إنّها إحدى المنتجات المصرفيّة الّتي تعود على المصرف بالرّبح الوفير من أموال حامل البطاقة. أمّا اجتماعيًّا، فكلّما زاد عدد بطاقاتك، علا شأنك وارتفع مركزك. وبعيدًا عن المصطلحات المصرفيّة المُعقَّدة، فإنّ بطاقة الائتمان هي شبيهة بـ"شِك" أو مبلغ ممنوح لك، تقبضه مُسبقًا ولكن عليك إعادته في وقت مُحدَّد وبنسبة مئويّة معيّنة تُدفَع لقاء فائدة. إنّها ببساطة "دين مُتراكِم" مع فائدة. 

لا شكّ في أنّ مزايا بطاقات الائتمان وإيجابيّاتها عديدة. فهي تسمح بعمليّات شراء كبيرة ويمكن أن تساعد في حالات طارئة كالاستشفاء والسّفر وأخرى غير مُنتَظرة. أمّا مساوئها فخطيرة، إذ يمكن أن تقود صاحبها إلى الغرق في الدّيون وعدم قدرته على تسديدها، فيُوضع اسمه على اللاّئحة السّوداء في المصرف المركزيّ مِمّا يساهم في صعوبة الحصول على قروض مستقبليّة من كافّة المصارف والمؤسّسات الماليّة. وبالإضافة إلى ذلك، هناك مسألة التّعامل مع الآخرين لناحية تسديد الدّيون، ومشاكل قانونيّة قد تقود إلى المحاكم ومن ثمّ الحجز على الممتلكات والإفلاس، على الرّغم من تحديد سقف استعمالها في معظم الأحيان.

المشكلة على ساحة المراهقين والشّبيبة

لقد تطوّرت مسألة البطاقات الائتمانيّة لتصير مشكلة يواجهها الأهل في أيّامنا هذه، إذ أصبحت همًّا جديدًا على أكتافهم وسلعة جديدة مُتداولة بين أيدي المراهقين. ونسأل: "هل يجوز أن يحمل الأولاد بطاقة ائتمان، وبخاصّة مَن لم يتعدَّ منهم سنّ الثّامنة عشرة، إن طلب هو ذلك؟" لا شكّ في أنّ المؤسّسات الماليّة، والّتي هدفها دائمًا الرّبح، قد استغلّت هذا الموضوع، وابتكرت بطاقة جديدة تلائم المراهقين، مُعتمدة بشكل أساسيّ على ضعفهم في اتخاذ القرارات وعدم تمتّعهم بحكمة كافية لناحية التّعامل بالقروض والفوائد.

لكنّ معظم الأهل يمنحون أولادهم بطاقات ائتمان، بالإضافة إلى الكومبيوتر المحمول والهاتف الخلويّ، وحجّتهم في ذلك ضغط المجتمع والحاجة المفترضة ولكي يكونوا على مستوى رفاقهم في الصّفّ. أمّا الخبراء فينصحون بمنع المراهقين من الحصول على بطاقات ائتمان، لأنّ هدفهم الأساس هو المباهاة أمام الأصدقاء، بالإضافة إلى أنّها تشجّعهم على الانفاق بشكل كبير من دون التّفكير في العواقب والدّيون الّتي ستتراكم على رأس ربّ العائلة.

الكتاب المقدّس وبطاقة الائتمان!

على الرّغم من عدم وجود إشارة واضحة في الكتاب المقدّس حول موضوع بطاقة الائتمان، إلاّ أنّه يُعلّم البالغين والمراهقين على حدٍّ سواء أمورًا كثيرة تخصّ وكالتهم على المال.

والأسئلة التي تطرح نفسها على حامل الـ Credit Card هي: هل أستطيع أن أتحكّم بالبطاقة أو هي تتحكّم بقراراتي؟ هل أغرق في الدّيون ولا أعود أملك إمكانيّة التّسديد أو أحاول أن أتبع تعليم الله بألاّ أكون مديونًا لأحد؟ هل سأورّط نفسي وأهلي في مشاكل قانونيّة وماليّة بسبب سوء استخدامي لبطاقة الائتمان أو بالإمكان أن أحافظ على صيتي وصيت أهلي بمنأى عن أيّ تورّط مع القضاء؟

على الرّغم من فوائد البطاقة الائتمانيّة وضروراتها في أيّامنا، علينا تجنّب سلبيّاتها، وهذه بعض النّصائح الكتابيّة التي تُساعدنا على كيفيّة استعمالها بشكل صحيح:

ü                لا تنظر إلى البطاقة كونها الملاذ في وقت الضّيق. ضع ثقتك في الرّبّ، ولا تُلقِ رجاءك على الثّروة غير المضمونة بل على الله الحيّ الّذي يمنحنا كلّ شيء بغِنى للتّمتّع (1تيموثاوس6 : 17).

ü                تعلّم أن تدرس إمكانيّاتك ومصروفك بحكمة وبدقّة. لقد علّم الرّبّ الرّسل أن يَحسبوا نفقتهم ويتأكّدوا من أنّ لديهم ما يكفي لإكمال أيّ مشروع قبل البدء به (لوقا 14: 28). فإن كنت لا تملك القدرة على دفع ما يستحقّ عليك من مصاريف قبل نهاية الشّهر، لا تستعمل البطاقة. واعمل بالمثل القائل: "على قدّ بساطك مِدّ رجلَيك".

ü                إن كنت لا تملك إمكانيّة شراء ما تريد، فلا تستعملها مُراهنًا على صلاتك ليفتح لك الرّبّ كِوى السّماوات ويفيض عليك بالبركات! بل بالحريّ، اطلب إليه أن يباركك بوسائل أخرى لكي تستطيع أن تلبّي حاجاتك وحاجات العائلة والأولاد الماديّة، وتأكل بعرق جبينك وليس بالدَّين؛ فالرّبّ قادر وطيّب ووعده صادق: "اسألوا تُعطَوا، اطلبوا تَجدوا" (متّى 7: 7).

ü                استعمل البطاقة بشكل ذكيّ، للاستفادة من تأخير ما يستحقّ عليك من مُشتريات حتّى موعد الاستحقاق. وعند استحقاقها في نهاية الشّهر ادفعها بنسبة 100%، لأنّك إنْ سدّدْت 10% فقط من كامل المبلغ (وهذا هو هدف المصارف من إعطائك هذا الحقّ، أي الرّبح من الفوائد المستَحقَّة عليك) ستبدأ المبالغ غير المُسدَّدة بالتّراكم عليك للأشهر المقبلة، بالإضافة إلى الفوائد والمُشتَريات الجديدة، ممّا يقود مع الوقت إلى تراكُم ديون يصعُب على صاحبها تسديدها. فقد تبيّن، بحسب إحدى الدّراسات، أنّ تسديد 10% من قيمة الفاتورة الشّهريّة على مدى متواصل، قد يصل بك إلى تراكم ديون تحتاج إلى 30 سنة لتسديدها بالكامل.

ü                تذكّر أنّه كلّما استعملت بطاقتك وسدّدت النّسبة الأدنى، تمنحك المؤسّسات والمصارف تسهيلات إضافيّة، وهذا طبعًا ليس بسبب محبّتها لك أو لأنّها مؤسّسات خيريّة، بل لأنّها تجد فيك عميلاً ممتازًا ومُربِحًا.

ü                لا تسمح للماديّة بأن تطغى على طريقة عيشك العقلانيّة، وتذكّر أنّ "الغنيّ يتَسَلَّط على الفقير، والْمُقتَرِض عَبْدٌ للمُقْرِض" (أمثال 22: 7).

ü                اجعل شعارك في الحياة "لا تَكونوا مَديونينَ لأحَدٍ بشيء" (رومية 13: 8).

وأخيرًا، لنتصرّف بحكمة وننظر كيف نسلك بالتّدقيق، لا كجُهلاء بل كحُكماء لأنّ "كنْزٌ مُشْتَهًى وزَيْتٌ في بيت الحكيم، أمّا الرّجُل الجاهِل فيُتْلِفُه" (أمثال 21: 20).

AddToAny