بليز باسكال والينسينية

العدد:
السنة:

"كم كنا مخطئين! لم أبصر الحقيقة إلا في الأمس!" بهذه الكلمات افتتحت إحدى أشهر الرسائل الأدبية المسيحية الساخرة كلماتها. وقد ظهرت الرسالة الأولى في باريس بتاريخ 23 كانون الثاني 1656، لكن كاتبها لم يصرّح عن هويته بسبب ما قد يلاحقه من خطر آنذاك، إذ أمكن أن يتهموه بالهرطقة أو يقتادوه إلى السجن والتعذيب. وانكشفت بعد عدة أعوام هوية الكاتب وهو عالم رياضيات فرنسي مبدع يدعى بليز باسكال.

بدا حتى ذلك الوقت ان عبقرية باسكال متوطّدة في العلوم. وقد نشر، وهو في عمر السادسة عشرة، بحثاً رائداً في علم هندسة المخروطات؛ واخترع وهو في التاسعة عشرة آلة حساب بدائية؛ وبرهن بعد ذلك على ان الضغط الجوي يختلف بحسب الارتفاع و أظهر ان الفراغ ممكن.

وأثبت من ثمّ أن الضغط على وجه السائل يتوزع بالتساوي على كل نقاط السائل. وبفضله وجدت الحقن والرافعات العاملة بضغط الزيت. وساهم أيضاً في ابتكار نظرية الاحتمال (Probablity).

لكن باسكال كان مسيحياً أيضاً. وبينما كان مسافراً في 1654 في عربة، كسرت الخيول ذراع التوصيل وهوت إلى حتفها من فوق أحد الجسور.. واهتزّ باسكال لنجاته في آخر لحظة واعتبرها إنذاراً من الرب ليركز ذهنه على الامور الروحية.

وقاده اهتمامه بنظرية الاهتمام إلى طرح إشكالية عرفت بـ "رهان باسكال". وقال ان الرهانات عالية، لكنه علينا المراهنة على وجود الله، إذ ليس لدينا ما نخسره في حال عدم وجود الله ولكن سنخسر أو نربح كل شيء في حال وجوده.

فضّل باسكال أن يثق بالاحتمالات في ما يخص الإيمان، لكنه توصل إلى خلاصة أنه يمكننا أن نعرف الحقيقة من دون إثباتها عندما قال: " للقلب أسباب لا يعرفها العقل أبداً."

اجتذبته الينسينية (وهي حركة دينية سياسية نشأت في فرنسا) لأنه أحب ذوي المعرفة (شقيقته كانت ينسينية) وأُعجب بمذهبهم وبطريقة عيشهم المتزمتة. وأصبح المدافع عنهم. وأصدر بنتيجة ذلك "الرسائل الريفية"“the provincial letters”  ولكن لماذا كتبها ؟

مع قيام الإصلاح البروتستانتي، اعتنق الكثيرون من الفرنسيين الكلفينية. وارتكز علم لاهوتهم على فساد النفس البشرية وعدم قدرة الناس على إنقاذ نفسهم من الخطية وهم بحاجة إلى نعمة الله في كل مرحلة من مراحل اهتدائهم. أما اليسوعيون فاختلفت نظرتهم إلى هذه العقيدة واعتبروا أن التفاعل مع الله يكون عبر الأعمال الحسنة وكل إنسان لديه حرية الاختيار واعتمدوا على الافتاء casuistry لتقرير الخطأ من الصواب.

شعر كورنليوس جانسن أسقف الكاثوليك في إيبرس يأن اليسوعيون يقعون بسهولة في الخطيئة لإهمالهم النعمة. وتحدث عن هذه النقطة في كتابه “St. Augustine of Hippo”  مؤكّداً أن الكنيسة تستمد سلطتها من النعمة. صادر بابا روما الكتاب، وبعد موت جانسن دافع أنطوان أرنولد، وهو أحد المعجبين به، عن فكره الينسينية إلى أنه افتقر إلى اللباقة الأمر الذي اكسبه الكثيرين من الأعداء. وجادل بأنه إذا كان البابا معصوم من الخطأ في أمور الإيمان فإنه غير معصوم عنه في الأمور الواقعية.

وسرعان ما اتضح ان أرنولد سيتعرّض للحرم. وعندها بدأت رسائل باسكال بالظهور دفاعاً عن أرنولد. واخترع باسكال شخصية متفرج حائر يبحث عن الحقيقة في ذلك النزاع. واستخدم اللغة الفرنسية العامية في كتاباته ليبدو الشخص وكأنه حقيقي. وفضح كاتب الرسائل الخيالي المعايير المزدوجة واللعب على الكلام لدى الكثيرين من اللاهوتيين. وأعطى أمثالاً عن الافتاء غير المنطقي لليسوعيين وأظهر في شكل مجحف بأن جميع اليسوعيين يجدون تبريراً للخطيئة. وفشل باسكال في انقاذ أرنولد من الحرم، لكن رسائله أكسبته تعاطف الينسينيين وغيرت الثقافة الفرنسية.

AddToAny