بين مدينة الهلاك والمدينة السّماويّة إرادة ومحبّة... وعناية إلهيّة

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

كلّنا تائهون ...كلّنا باحثون...

إنّها الجدليّة الأزليّة الّتي لازمت الخليقة منذ نشأتها وحتّى اليوم، هذا البحث الدّائم اللاّمتناهي بين الذّات البشريّة الممتلئة بروح خالقها وبين الربّ خالق كلّ ما يُرى وما لا يُرى.

والسّؤال الّذي يطرحه الكثيرون، وما زالوا: مَن يبحث عن مَن؟

أتبحث الوردة عن ضوء الشّمس أم أنّ الشّمس تُشرق لتُنير هذه الزّهرة، وتسرق عطرها إلى أعالي السّموات؟

أيبحث الطّفل عن حنان أمّه أم أنّ الأمّ تسهر اللّيالي مضحيّة بالغالي والنّفيس لراحة طفلها وتربيته؟

هل يستطيع الإنسان، هذا المخلوق الوديع، أن يبحث عن سرّ خالقه، أو أنّ الخالق، بعظمته وتواضعه ومحبّته، يبحث عن الإنسان، وهو من أجل ذلك مات وصُلب وقام من بين الأموات؟

سرّ البحث قد لا يقلّ تعقيدًا عن كثير من الأسرار الّتي نعيشها وتلازمنا، ونسير على دروبها من دون أن نعرف حقّ المعرفة قدس أسرارها ولا نهاياتها وغاياتها الجوهريّة. نحن نسير ولا نعلم مَن يقود مَن، لكن بين البحث والقلق، بين اليأس والرّجاء، بين الذّات البشريّة المضطربة والغارقة في "بالوعة اليأس"، هناك دائمًا يد "المنجِد" الّتي تُنقذنا... وتنقذنا دائمًا.

"إلى كلّ مَن يجول في الأرض يبحث عن السّماء"، كلمة إهداء من ناشر الكتاب، إلى كلّ مَن سيقرأ "سياحة المسيحيّ"، كلمة إهداء انسكبَت في روحي وفي قلبي كما امتدّت يد "المنجِد" إلى "المسيحيّ" في "بالوعة اليأس"، وقادتني إلى بيت "المفسِّر" حيث تعلّمنا هناك أمورًا كثيرة ما زالت تساعدنا في رحلتنا إلى المدينة المقدّسة.

كلمة الإهداء هذه قادتني في سياحة لا توصَف، أين منها سياحة "جون بانيان" نفسها، وقادتني إلى زنزانة نفسي في رحلة أرتني الوجه الآخر لوجهي، الوجه الّذي لا يمكن أن يختبئ أمام وجه الشّمس، وكم كان هذا الوجه خجولاً، خائفًا لا بل مرتعبًا. لقد أخفى هذا الوجه وجهًا غير مستعد للّقاء الأخير، غير مستعدّ للمدينة السّماويّة، لكنّه غير يائس من بلوغها؛ فَيَد "المنجِد" أملي، و"الرّوح القدس" عندما يبدأ عمل النّعمة في قلبي الخاطئ، "لا يتركه يهلك"، ودم الخروف الّذي تجسّد ليرعاني: هو أتى من أجلي، من أجلي أنا... إنّه يناديني... أنا أسمع الصّوت... وأرى الدّرب... واليد الّتي ستمسكني... لا بل ستحملني، لأنّ أقدامي وخطواتي خانتني ولم يعد لي سوى الإرادة الإلهيّة الّتي سلّمتها ذاتي... فقادتني إلى عبور "نهر الموت" إلى المدينة السّماويّة. والوقت مهما طال أو قصر، فالزّمن الجميل يبدأ من هنا... والرّحلة نسيرها من دون أن نعلم إلى أين المسير. لكن، طالما هو... هو سبقنا وأعدّ لنا الطّريق، فلِمَ العجلة ولِمَ السّأم، فـَ"في بَيْت أبي مَنازِلُ كَثيرَةٌ، وإلاّ فَإنّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُم. أنا أَمْضي لأُعِدَّ لَكُم مَكانًا، وإنْ مَضَيْتُ وأعْدَدْتُ لَكُم مَكانًا آتي أيْضًا وآخُذُكُم إلَيَّ، حتَّى حَيْثُ أكونُ أنا تَكونونَ أنْتُم أيْضًا" (يوحنّا 14: 2-3).

لقد صنع بي هذا الكُتيّب، "سياحة المسيحيّ"، ما لم تصنعه كلّ تأملاتي وصلواتي. لقد هزّ كياني، وأنا لا أحلّل هنا أو أناقش كتابًا، لكن أنحني أمام محطّة سماويّة وضعتها العناية الإلهيّة في دربي، فكانت الدّرب والمحطة الّتي ستقودني إلى محطّات لا أعرف بداياتها ولا نهاياتها. لكن، على الرّغم ممّا يُحيط بـ"القصر الملكيّ" من حراسة مشدّدة، فالله يعطي الشّجاعة والقدرة للغالبين ليشقّوا طريقهم وسط الحرّاس، فيُستقبلوا بفرح عظيم ويُلبَسوا الذّهب. لا غلبة من دون خوض الحروب الرّوحيّة، والانتصار هو سبيل الباسلين من دون سواهم.

"سياحة المسيحيّ"، مركب شراعه أجنحة الرّوح، الّتي لا تتمزّق أمام العواصف مهما اشتدّت أعاصير البحار.

"سياحة المسيحيّ"، عناية إلهيّة ومحطّات قد لا نبالي بأهميّتها، لكنّها، ترفعنا نحو الأعلى، فالصّدفة في حياة المسيحيّ ليست سوى عناية إلهيّة ونِعَم أمطرها الرّوح على عابديه.

"سياحة المسيحيّ"، سياحة لا نعرف متى تبدأ ولا متى تنتهي، فنرجوك يا ربّ، أن تُبقي قناديلنا مشتعلة، لكي لا نتوه عن الدّرب، أو يسبقنا المركب، فأيدينا عاجزة عن الإبحار، والزمن، طال ألف سنة أم قصر، ليس سوى برق أو صدى صوت عصفور في رحاب كونك الفسيح، أنت يا مَن خلقت الشّجر والعصافير والقمر والنّجوم والكواكب والزّهور، أنت يا مَن فجّرت الينابيع والأنهار، أنت يا عارف الأسرار، يا عارفي... فلتقُدني يداك مع "سياحة المسيحيّ" وتوصلني إلى المدينة المقدّسة، حيث هناك منزلي، منزلي الّذي أنت أعددته لي.

ولتكن مشيئتك لا مشيئتي... يا من جعلتني ابنًا لك لا عبدًا... لك الشّكر، لك الحبّ، لك كلّ المجد، إلى أبد الآبدين. آمين.