تأثير الكنيسة في العالم

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تتألّف الكنيسة من أناس تبعوا المسيح فاختلفوا عن جموع البشر بالانتماء والعمل والهدف. وتستقي هذه الجماعة المُميَّزة مبادئها من الإنجيل المقدّس، فتؤثّر في العالم الّذي تسعى لتغييره وحفظ نفسها من تأثيراته. وجماعة الإيمان هذه، هي في مواجهةٍ دائمة مع نظام العالم الشّرّير الّذي تواجهه بالعيش للمسيح والكرازة باسمه. وما يعيشه المؤمنون في العالم، وما يظهرونه من كلام وتصرّف وعمل، هو الّذي يعطي معنى حقيقيًّا للوعظ والتّعليم والشّهادة بين النّاس. لكنّ بعض الكنائس أضاع هدف وجوده على الأرض فلم يعُد يؤثّر في المجتمع حوله وما عاد يقوم بما أوكله به الرّبّ. ومَن يدرس العهد الجديد يعرف أنّ الكنيسة في مواجهة مستمرّة مع نظام العالم الشّرّير المُتحكّم في المجتمع البشريّ، وأنّ هدفها هو خلاص النّفوس ورفع حياة الإنسان إلى المستوى الّذي يُريده الله.

الملح والنور

يستخدم يسوع تشبيهين ليصف علاقة المسيحيّين في مجتمعهم: فهم كالملح والنّور في المجتمع (متّى 5: 13-16). يقول يسوع لتلاميذه في الموعظة على الجبل: "أنتم ملح الأرض". الملح مادّة قيّمة؛ وشعب الكنيسة هو عنصر ثمين في العالم بسبب تقواه وحياته المقدّسة. وكما يُطيّب الملح الطّعام، جاعلاً مذاقه مقبولاً ومرغوبًا ومأكولاً، هكذا المؤمنون هم رونق المجتمع. إنّهم يضيفون، بحبّهم وسلامهم ورجائهم واتّكالهم على الرّبّ وقدوتهم المباركة، جوًّا من الطّيبة ورائحة المسيح الذّكيّة أينما حلّوا. وكما يُستعمَل الملح كمادّة حافظة؛ هكذا المسيحيّون الحقيقيّون هم الضّمان الوحيد لمستقبل المجتمع بسبب القوّة الأخلاقيّة الّتي ينالونها بالنّعمة وبكلمة الرّبّ. إنّهم بصلواتهم وأمانتهم يحمون المجتمع من الدّمار والموت ويحفظونه من الفساد والطّمع والغرور والشّهوة الرّديئة.

يقوم الملح بوظائفه الثّلاث من خلال القليل منه الّذي ينتشر في كميّة كبيرة من الطّعام. والكنيسة هي "القطيع الصّغير" الّذي يؤثّر في كلّ العالم. المهمّ ألاّ يستصغر هذا القطيع نفسه، فالقضيّة ليست بالكميّة بل بالنّوعيّة. وكما أنّ ملامسة الملح للطّعام مهمّة، هكذا على الكنيسة أن يكون لها وجود ظاهر يلامس المجتمع ويجعلها في كلّ دوائره، رسالة المسيح المقروءة من جميع النّاس. يحذّر يسوع تلاميذه من أن يكونوا ملحًا فاسدًا فَقَد ملوحته وتأثيره وعمله. 

أخبر يسوع تلاميذه أنّهم "نور العالم" الّذي يرى النّاس بوساطتهم نوره المشعّ بثمر الرّوح. إنّهم صورة معلّمهم أينما حلّوا. الكنيسة جماعة صغيرة في عالم كبير لكنّ مجال تأثيرها كبير، فهي كشعاع النّور الّذي يُضيء في كلّ مكان. إنّ شهادة حياة بيت مؤمن واحد في حيٍّ ما، أو عمل كنيسة صغيرة في بلدة واحدة، أو سلوك مؤمن واحد في المدرسة أو الجامعة أو العمل سيُذاع في كلّ مكان. الإيمان المسيحيّ في شعب الكنيسة يخترق كلّ ظلام، فيتبارك الناس بالأعمال الصّالحة والكلام المملّح ويمجّدون الآب السّماويّ. 

وظيفة المؤمن الأخلاقيّة والرّوحيّة إذًا هي أن يتصرّف كملح ونور في العالم الماديّ. يُطبِّق الرّسول بولس هذا التّعليم حين يُلفت انتباه الكنيسة في تسالونيكي إلى أنّ المؤمنين بيسوع هم مواطنون في السّماء، ولو كانوا يعيشون على الأرض (1تسالونيكي5: 4-8). فهم كانوا أبناء الظّلمة سابقًا لكنّهم خرجوا منها وصاروا أبناء نور ونهار، ولم يعودوا من جماعات اللّيل الّذين يسكرون، أي الّذين تُسيطر عليهم الخطيّة، وينامون، أي لا يكترثون بأمور الله، بل تتميّز حياتهم بالصّحوّ والسّهر أي بالتّكريس والانضباط ببِرّ المسيح، فيكون لحياتهم معنى روحيّ صحيح وعميق. إنّ تأثير الملح والنّور مع التّيقّظ والاستعداد للعمل يبقى ناقصًا من دون سلوك فعليّ يُظهر الإيمان العامل بالمحبّة.

لكي لا تتخلّى الكنيسة عن دورها

لايجوز ان تُهادن شرور العالم. للكنيسة رسالة سماويّة وإرساليّة في الأرض؛ ولا يمكنها أن تقف صامتة عندما يكسر المجتمع مبادئ المسيح والقِيَم الأخلاقيّة، بل يجب أن يكون صوتها مُدوّيًا ضدّ الفساد والمظالم الاجتماعيّة، فتوبّخ أعمال الظّلمة غير المثمرة. من المعيب أن تصمت الكنيسة تاركة المجال للمجتمع المدنيّ ليرفع الصّوت ضدّ تردّي الأخلاق في المجتمع! هناك بعض أهل الإيمان يُهادنون العالم لنوال رضاه. لم يفعل المسيح هكذا عندما دخل الهيكل وطرد التّجّار وتواجه مع الفرّيسيّين.

يجب أن تكون خميرة المجتمع. تحمل الكنيسة في رسالة الإنجيل قوّة تغييريّة وحافظة للمجتمع. إنّها ملح الأرض كما سبق ورأينا. تصوّر عالَمًا من دون الكنيسة ومن دون تأثير المؤمنين فيه، فإنّه سرعان ما يتحلّل ويخرب. كان يمكن لسدوم أن تُرحَم لو كان فيها مؤمنون! نقرأ في متّى 24: 22 أنّه بسبب المختارين تُقَصَّر أيّام الشدّة والخوف والضّيق الآتية على المسكونة. تملك الكنيسة قوّة خلاص وتحرير وشفاء لأنّها تنادي بالمسيح وحده وبالنّعمة وحدها وبالكتاب المقدّس وحده. ولكنّ السّؤال الّذي يُطرَح هو: هل تستخدم قوّتها هذه لتغيير المجتمع؟

يجب أن تكون ضمير العالم. للكنيسة في العالم دور مزدوج: أن تسير في الاتّجاه الصّحيح وأن توبّخ الاتّجاه المعاكس. وهذا لا يتمّ بقوّة وصراخ، بل بهدوء كما يُشرق النّور في الظّلمة. الكنيسة هي ضمير المجتمع، إذ تكلّمه وتوبّخه وتواجه أفكاره من خلال تعليمها لكلمة الله، وعيشها فقط كما يحقّ لإنجيل المسيح. هكذا تُنبّه العالم للصّواب والخطأ وتُرشده إلى الله.

كيف تواجه الكنيسة العالم؟ هل تُسالمه؟ هل تتجنّبه؟ هل تطمر رأسها في التّراب فلا ترى ما يحصل فيه؟ هل تُعادي ناسه وترفضهم؟ أو أنّها تتحمّل مسؤوليّتها بالشّهادة له وبمواجهة ما فيه من خطايا وشرور بإيمان وعزم ونشاط؟ ليست المواجهة عمل الموقف الكنسيّ الرّسميّ، بل هي مواجهة أفراد الكنيسة، أعضاء جسد المسيح، كلّ في مضمار سكنه أو دراسته أو عمله مع روح دنيويّة عالميّة تُسيطر على النّاس من حوله، من دون أن يدروا أنّها لدمارهم. في هذه المواجهة، على المؤمن أن يُحصّن نفسه من السّقطات والخطايا لئلاّ يُعيّر اسم المسيح الّذي أطلِق عليه بينما هو يشهد له. لا تنتهي المواجهة العامّة بين الكنيسة والمجتمع حتّى عودة المسيح، يومها تكون الغلبة النّهائيّة للبِرّ والأبرار وقدّوس القدّوسين.

القسّيس جورج عطيّة

AddToAny