تأثير اللاّهوت في التّربية

الموضوع:
العدد:
السنة:

يظنّ كثيرون أنّ دور اللاّهوت يقتصر فقط على العلاقة بين الإنسان والله، وذلك في الدّوائر الدّينيّة في الكنائس، فيما قليلون يعرفون أنّ اللاّهوت يعمل في مجال التّربية أيضًا. وها الكتاب المقدّس مليء بالتّعاليم والقصص حول التّربية والأولاد والعائلة والإنسان. ويبقى الأمر الإلهيّ للأهل بتعليم وصاياه في البيت للأولاد هو الأساس الّلاهوتيّ للتّربية المسيحيّة في المطلق.

"اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. وَلْتَكُنْ هذِهِ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا الْيَوْمَ عَلَى قَلْبِكَ، وَقُصَّهَا عَلَى أَوْلاَدِكَ، وَتَكَلَّمْ بِهَا حِينَ تَجْلِسُ فِي بَيْتِكَ، وَحِينَ تَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، وَحِينَ تَنَامُ وَحِينَ تَقُومُ، وَارْبُطْهَا عَلاَمَةً عَلَى يَدِكَ، وَلْتَكُنْ عَصَائِبَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ، وَاكْتُبْهَا عَلَى قَوَائِمِ أَبْوَابِ بَيْتِكَ وَعَلَى أَبْوَابِكَ". (تثنية 6: 4-9).

نلاحظ أنّ الوصايا كانت لتُعلَّم للجيل الثّاني والثّالث في البيوت. إنّ الهدف من كلمة الله ليس فقط خلاص الإنسان إنّما أيضًا بناؤه. فالبشارة والتّربية يسيران يدًا بيد مع اللاّهوت المسيحيّ. أمّا العجيب في الأمر، هو أنّ بعض القادة المسيحيّين (رجال دين وعلمانيّين) لم يعودوا يؤمنون بالبشارة، وهم أنفسهم لم يعودوا يؤمنون بالتّربية. وإن خجلوا ولم يُصرّحوا بذلك علنًا، نراهم يستخدمون مفردات جديدة ومبادئ تربويّة جديدة تُظهِر عدم ارتباط أفكارهم اللاّهوتيّة بالتّربية الّتي يؤمنون بها ويُعلّمونها.

موت الله في التّربية المعاصرة

لقد غزت الدّوائر الكنسيّة والتّربويّة والعائلات والمكتبات ووسائل الإعلام أفكار تربويّة معاصرة، فكّت أيّ ارتباط لها باللاّهوت المسيحيّ. منها: أنّ المجتمع لم يعد يحتمل اللاّهوت الّذي خسر تأثيره في النّاس الّذين رفضوا الذّهاب إلى الكنائس بعد أن يئسوا منها، ولأنّها لم تعُد قادرة على الإجابة عن أسئلتهم وتقديم الحلول لمشاكلهم. والقول بأنّ الإنسان المعاصر هو أقلّ تديّنًا، وبالتّالي فهو يبحث عن تربية أكثر تحرّرًا تناسب عصره. وآخرون ينظرون إلى المدارس "المسيحيّة" على أنّها مؤسّسات تبغي الربح الماليّ، شأنها في ذلك شأن المدارس الخاصّة الأخرى، من دون أن يميّزها عن غيرها فكر لاهوتيّ هادف. ووسط كلّ ما سبق، نرى أنّ المجتمع والأجيال الصّاعدة هما في حالة ابتعاد عن ممارسة تربية مسيحيّة صحيحة تؤثّر في نموّ إنسان فاضل وقويّ هو أكثر ما يحتاجه مجتمعنا المعاصر. إنّ التّربية المعاصرة تعكس فكرة "موت الله" في دوائرها. فلا الأهل قادرون على التكلّم على إله حيّ لأولادهم، وإن فعلوا، يصعب على الأولاد رؤية هذا الإله في حياة أهلهم. وأمّا المدارس والتّربويّون، فهم، بدورهم، في عجز فادح لكون الفلسفات الماديّة الّتي تحصر بنيان الإنسان بأمور الأرض والهودينيّة الّتي تُعظّم اللّذّة على الفضيلة هما الفلسفتان اللّتان تُسيطران على الإنسان المعاصر، ولا يفلت من تأثيرهما التربويّون والأهل. فما هو تأثير هذه الأجواء الضّاغطة في الشّخص اليانع؟ وكيف يكون عندما ينضج؟

محبّة الآلهة الجديدة ومهابتها

قد يستنكر بعضهم ويقول إنّه ما زال يُربّي بموجب لاهوت مسيحيّ سليم أساسه المحبّة. ونذهب إلى نشيد المحبّة، مُخدَّرين بفعلها السّاحر ومُطمئنّين بأنّها تقوم بعملها منفردة. فلا دور للتّأديب والتّوجيه، ويُرمى إزميل نحت الشّخصيّات جانبًا ليبقى هناك تسامح عجيب وعجز مُريب يقبل تورّط الأجيال الشّابّة، لا بل المراهِقَة، وسوف نتحدّث في وقت لاحق عن تورّط الأولاد في كلّ الممنوعات... أمّا الأهمّ فهو أن يبقوا متمتّعين بالمحبّة، فلا هَمّ إن هُم تأدّبوا أم لا؛ إنّهم آلهتنا الجديدة الّتي نخافها ونرهبها فلا نربّيها ولا نؤدّبها لئلاّ تغضب منّا وتتّهمنا بأنّنا لا نحبّها!

هنا يكمن الكسل والجبن وعدم تحمّل المسؤوليّة عند الأهل والمربّين، ويظهر عدم وجود خوف الله عندهم، فلا يشعرون بأنّهم سيُقدّمون حسابًا عن تربية أولادهم. والسّبب هو أنّ الإنسان صار أكثر أنانيّة، وعقله مُثقَل بالعلمانيّة الماديّة وقلبه فارغ من حضور الرّبّ. حتّى أنّ المدينة المعاصرة أدخلت إليها البربريّة بكلّ فلتانها الأخلاقيّ المتوحّش من جديد، فلم يعد هناك مكان للأخلاق المسيحيّة المعلَنَة في الكتاب المقدَس، وسيطرت بدلاً منها الأخلاق الاستنسابيّة المفصّلة على قياس أهواء كلّ إنسان. هكذا، راحت التّربية ضحيّة غياب اللاّهوت، أو قُل "غياب الله"، عن مشروع الإنسان التّربويّ. نحن، اليوم، في المدينة البعيدة عن الله، لا يتعلّم فيها المرء، أكان من أهله أو من مدرسته، أولويّة الله وسيادته في الحياة. وإن لم يكن خوف الله في عيونهم، فماذا يبقى في قلوبهم ومسلكهم؟ هكذا، ينحرف النّاس عن الحكمة الإلهيّة، وتخرب حياتهم، وصار المجتمع محكومًا بفساد يتزايد يومًا بعد يوم، حتّى أنّ أيّ إنسان بات قادرًا على رؤية مستقبل أسود قاتم يُخيّم على العالم.

أولاد يُدفعون للذّئاب المفترسة

التّربية المرتبطة بالله تلتزم بإنذار كلّ إنسان وبتعليمه كلّ حكمة، لتُحضره كاملاً في المسيح يسوع (كولوسي 1: 28). ويبقى عدد الكنائس والمؤمنين الملتزمين بهذه التّربية قليل. لكن، لا يُعقل أن يرمي الإنسان المخلِص بابنه فريسة للذّئب، بينما يتغنّى بأنّه تحوّل إلى فلسفات أخرجت الله من صلب تربية عجزت على المُحافظة على الإنسان والمجتمع وأودت بهما إلى الدّمار. صحيح أنّ العلوم ساهمت في تقدّم الحياة الإنسانيّة في نواحٍ عديدة، لكنّها لم تتمكّن من تحسين نوعيّة أخلاق الإنسان ولم تُعينه على الارتقاء إلى السّماء. أمّا غياب سيادة الله عن التّربية المعاصرة، فجعلت الإنسان ينظر إلى نفسه كسيّد مُطلَق للدّنيا وما فيها. هذا ما يُفسّر تعاظم الأنانيّة وانفلات الشّهوات وكسر القوانين وعدم احترام خليقة الله وازدياد التعدّيات على الآخرين، أفرادًا وجماعات وشعوبًا.

أيّ أساس لأيّة تربية؟

في الختام، لا بدّ من القول إنّ كلّ تربية تُبنى على أساس فلسفيّ أو لاهوتيّ ما. فإن بُنيت على أساس لاهوتيّ مُحافِظ كانت تربية مُحافِظَة، وإن بُنيت على أساس ليبراليّ كانت ليبراليّة. ولكلّ خيار نتيجته المختلفة عن الآخر، ولكلّ تربية نتاجها الّذي ترجوه. أمّا ما يُميّز التّربية المسيحيّة المحافِظَة، في البيت والمدرسة والكنيسة، فهو أنّها تحترم الأساس التّربويّ للكتاب المقدّس، وفي الوقت عينه، لا تحرم الإنسان من أن تكون له نظرة شاملة للعالم الّذي خلقه الله ويسوده. أمّا الأهمّ في التّربية المحافظة، فهي أنّها تبني إنسانًا ينظر إلى الخالق كإلهه الّذي به يحيا ويتحرّك ويُوجد، وله ومنه وبه كلّ الأشياء. فلا يتوهّم أحد أنّه من دون الله قادر على شيء، بل يدخل إراديًّا في عهد معه ليحيا معه ويتعلّم منه ويتشبّه به. هذا هو تأثير اللاّهوت في التّربيّة الّتي تركت بصمات مباركة على التّاريخ البشريّ في أجيال وأفراد أضاؤوا التّاريخ كنجوم، وردّوا كثيرين إلى البِرّ. العمر يمضي والمؤسّسات والأفكار تزول، أمّا نتاج التّربية المبنيّة على اللاّهوت المحافِظ فنتاجها لا يزول، بل يبقى إلى الأبد.