ثقافة الإعتذار

العدد:
السنة:

أحبّت زوجها محبّة متفانية. ضحّت بمهنتها وأحلامها ومستقبلها وسافرت معه من بلدٍ إلى بلد بهدف تطوير مهاراته المهنيّة والارتقاء في وظيفته. تميّزت علاقتهما الزوجيّة بالرّومنسيّة وصُنِّفت من أروع العلاقات. قاما بكلّ شيء سويًّا وتشاركا الأفراح والآلام.

شعرت الزوجة في ذات يوم بتغيير في تصرّفات زوجها حيالها. فهو لم يعد يتواجد في المنزل كثيراً وقَلَّ التّواصل بينهما وكثُرَت أشغاله اللّيليّة كما زادت المشاكل بينهما. أدركت عندها بأنّ قلب زوجها قد مال نحو امرأة أخرى. وعندما واجهته بالحقيقة، لم ينكر بل ردّ عليها ببرودة أعصاب تامة، قائلاً: "أنتِ تضخّمين الأمر أكثر من اللازم. وأنا، في كلّ الأحوال، أعتذر منكِ إن كنتُ قد أذيتُكِ".

أهذا ما تمنّت المرأة أن تسمعه من زوجها؟ وهل يُسمّى هذا "اعتذارًا"؟ غالبًا ما يحصل هذا معنا. فقد تمنّينا في أحيان كثيرة لو لم نواجه الشّخص الّذي أخطأ إلينا لأنّ جوابه وردّة فعله كانا أسوأ وأخطر من الأذى الّذي سبّبه لنا في البداية. معظم النّاس يقدّمون أعذارًا شفهيّة مشبوهة بهدف إنهاء المشكلة بسرعة، وكأنّ في ذلك واجباً عليهم القيام به وها قد أتمّوه. يشرح الكاتب لويس ب. سميدس في كتابه "إغفِر وانسَ" Forgive And Forget كيفيّة تقديم الإعتذار، فيستعرض أربع خطوات:

 أوّلاً، على المـُخطِئ أن يُدرك في نفسه خطورة ما قام به. كيف أنّه سبّب لكَ الألم وجَرحكَ في الصّميم بحيث لا يمكنك، بعد ذلك، الاستمرار في العلاقة معه. لا يجب عليه أن يستخفّ بالموضوع ويأخذه ببساطة وكأنّ شيئًا لم يكن، بل عليه أن يعترف بأنّك لا تستحقّ هذا الألم ويُسرِع في معالجة المشكلة.

ثانيًا، لا يقتصر الأمر على الاعتراف بالخطأ وحسب، بل أيضًا على تبادل الأدوار بينكما بما يساعده على الشعور بألمكَ. عليه أن يكون صادقًا حيال مشاعرك ويكره نفسه لِما قام به وإلاّ لانتفى الدافع القلبي للاعتذار.

ثالثًا، على المـُخطِئ أن يكون صادقًا في الاستماع إليك. وتصبح بطاقة الدّخول إلى حياتك عندها مفتوحة. عليه أن يستمع إليك جيّدًا حتّى يقدر أن يسمع شكواك وألمك وصرختك. وعليك أنت بدورك أن تستمع جيّدًا لما يقوله لتتأكّد من أنّه كان يُصغي إليك بإمعان وفَهِمَ قصدك بالتّمام.

 رابعًا وأخيرًا، على المـُخطِئ أن يكون صادقًا حيال مستقبل علاقتكما. ولا يكتفي وحسب بأن يعدك بأنّه لن يسبّب لك بالألم مجدّدًا ويكون إلى جانبك عندما تحتاجه وسيحرص على علاقته بك بل أيضًا على أن يفي بوعوده. لا يمكنك أن تطالبه بالمزيد كما لا يمكنك أن ترضى بأقلّ من ذلك. اعتذارٌ كهذا يساعدكَ على أن تغفر الإساءة مهما كانت مؤلمة والجرح مهما كان عميقًا.  

ينطبق أيضاً مفهوم الاعتذار هذا على علاقتنا مع الرّبّ. فليس كلّ من يقول "يا ربّ يا ربّ" يدخل ملكوت السّماوات (متّى 7: 21) وإنّما الّذي ينحني أمامه بتوبة صادقة مدركًا مدى الألم الّذي سبّبه للمسيح ومعترفًا، ليس شفهيًّا بل قلبيًّا، بنجاسة خطاياه الّتي قادت المسيح إلى الصّلب وطالبًا منه المغفرة وواعدًا إيّاه بأنّه سيعيش حياته في طهارة وقداسة لمجد اسمه.