جندي الإيمان

العدد:
السنة:

تخدعنا المعارك التي نواجهها فتأسرنا وتتحدّى فكرنا. نستغرق في البحث عن سرّ هذا اللّغز. ونعتقد أحيانًا كثيرة بأنّنا نعرف مشيئة الله المتعلّقة بحياتنا. وبما أنّ الله صالحٌ، نستنتج بأنّه يريد الخير لنا ولن يسمح إلاّ للأمور الجيّدة أن تحصل معنا. كم منّا يدرك بأنّ الله يسمح بكلّ الأمور، السّيّئة منها أو الجيّدة، بهدف تقريبنا من شخصه؟ نحن مخلوقات لدينا عقل طبيعيّ يبحث عن الأجوبة في العالم المرئيّ بَيدَ أنّ أجوبة الله هي في عالم الغيب.

هل خَلَتْ حياة المسيح على الأرض من الآلام؟ بالتّأكيد لا. هل كانت للخير؟ نعم، لأنّها من تصميم الله. إنّ طاعة المسيح في خضمّ الهجوم المرعب عليه أعطته اسمًا فوق كلّ اسم. لقد منحه الله أعلى سلطة وحصلنا من خلاله على الخلاص.

غالبًا ما نُسيء فهم خطّة الله لحياتنا. وعندما يزور الموت منزل عائلة صغيرة يصبح الأمر، وفقًا لفهمنا البشريّ، مأساة مظلمة ومخيفة. وكيف يمكن اعتبار ذلك أمراً صالحًا ولخير العائلة؟ أعرف محاربًا، هو كناية عن جنديّ مطيع صمد ولا يزال صامدًا في معركة الحياة. بدأ أطول حروبه عندما فَقَدَ أحد أفراد أسرته بين يديه اللتين شيّدتا أعظم سياجٍ من القوّة رأيته في حياتي. وأخذ النمو الإيماني لهذا المحارب يتنامى يوماً بعد يوم. بات أشبه بأداة في يد الله، وكان لقوّة إيمانه تأثير هائل على كلّ من حوله. أشاهد يومياً الكثير من الجروح على وجهه، وأسلحة الحرب راسخة في مكانها. إلا أنه يُظهر للجميع كم أنّه جنديّ شجاع، يعكس من خلال نضاله معركة الإيمان الحقيقيّة. وتمكننا رؤية كم  يتطلّب الاستمرار في المعركة من إرادة قويّة حتّى عندما يبدو أنّ الأمور لن تسير على ما يرام ويضيع كلّ أمل ورجاء على الرغم من ثقتنا بأنّ خطّة الله لن تفشل أبدًا. ويقف، من خلال ضعفه، بشجاعة وبعزمٍ داخليّ على الصمود إلى الأبد إذا تطلّب الأمر ذلك.

لمّا يمضِ وقتٌ طويل حتى تجسّد سرّ هذا اللّغز. أخذ نداء الواجب يدفع هذا المحارب الجبّار  نحو مصير عظيم. عرف أنه عليه مواصلة المعركة من أجل ثبات إيمان الآخرين وصموده، ولو أنّ الأمر يزداد صعوبةً مع ظهور كلّ عقبة جديدة على امتداد الطّريق. جميعنا نجاهد الجهاد الحسن؛ وهو يُدعى بالــــ "الجهاد الحسن" لأنّه الجهاد الّذي ننتصر فيه. وقد أدركَ منذ البداية بأنّه يستطيع كلّ شيء في المسيح الّذي يمدّه بالقوّة.

عرف الجندي، مع بدء المعركة، بأنّه اختير لهذه المهمّة، ولم يَسأل أبدًا "لماذا أنا؟" لقد هيّأه الله ليكون كاملاً وعلى أهبة الاستعداد لها. فكلّ شيء جزء من الخطّة الإلهيّة. تطلّبت المهمّة أمًّا قويّة وجبّارة ومميّزة، أمًّا مختارة تميّزت بالشّجاعة وقوّة القلب قادرة على أن تنظر بعين الإيمان إلى ما يوجد وراء الألم.

هذا المقاتل الّذي أفتخر جدًّا بأنّي أعرفه هو أميّ، المحاربة الّتي تؤمن بأنّ الله صالحٌ في طرقه كلّها حتّى في الألم والموت. إنها المناضلة التّي تجاهد بإيمانٍ راسخ في المسيح. هذا الإيمان الحيّ المخفي عن العالم، والذي لا يمكن إلا لمن أُنيرت عيونهم بروح الله فهمه. وسيبقى سرًّا خفيّاً على أولئك الّذين لا يزالون يتابعون تفكيرهم الأرضي في شكل أعمى.

آمنَتْ دائمًا بأنّ الله هو الله المدرك لكلّ ما يفعله، وبأنّها ستقدّم يومًا ما حسابًا له وليس العكس. غلبتها الحياة مرّات عدّة، حتّى أنّي أشبّه ما عانته بعمليّة استخراج الذّهب الخالص. الذّهب الّذي وضيع في النّار ويصقل حتى يبلغ في نهاية المطاف الحدّ الأقصى من الصفاء والنقاوة. يُقال بأنّ المنقّي يَعرف بأنّ الذّهب أصبح صافيًا عندما يتمكّن من أن يرى فيه انعكاس وجهه. كذلك، يعطي الله أصعب معاركه لجنوده الأكثر شجاعة من أجل مجد اسمه.