حرّية العبادة في المسيحيّة

الكاتب:
العدد:
السنة:

الحياة الدّينيّة جزء أساسيّ من الحضارة الإنسانيّة. نظّمت الشّعوب حياتها، منذ فجر وجودها، حول مراسيم العبادة، إضافة الى الأمن والسّياسة والإقتصاد والثّقافة. يعبد الإنسان إلهاً لأنّ الله "وضع الأبديّة في قلوب البشر" (جامعة 3: 11). جوهر العبادة المسيحيّة ليس وضعًا جسمانيًّا أو انفعالاً عاطفيًّا صوفيًّا؛ إنّه وعي ذهنيّ وروحيّ لحقيقة الله، واستعداد لخدمته بالنزام وواقعيّة. معرفة الله أهمّ من تحديد كيفيّة عبادته. عندما ينحني المسيحيّ للصلاة مدركًا حقيقة انتمائه الرّوحي وهوّيته، يصبح قادرًا على التّواصل مع الرّب وإرضائه.

يُشير ترتيب الطّلبات المتلاحقة في الصّلاة الربّانيّة إلى أنّ الله قدّوس ملك وله مشيئة. يتوقّع الملوك من رعاياهم ولاء وطاعة وخدمة مصالحهم؛ يعيشون ويستثمرون لهم، ويُحاسَبون أمامهم. يدنون منهم وفق قوانين يسنّونها، ومراسيم يحدّدونها. فهل يستطيع مؤمن أن يعبد الله الملك العظيم، صانع السّموات والأرض، كما يحلو له ويستحسن؟ ألا يحترم الله حرّيته ويقبل صلاته على أيّة حال؟ أليس هو رحيمًا ومحبًّا؟

تكمن الحرّية الحقيقيّة في طاعة القوانين وإلاّ يضيع الكون في الفوضى والفراغ. الطّالب يكون حرًّا ضمن قوانين المدرسة، وإلاّ يُطرد. الموظّف حرّ ضمن إطار قانون العمل، وإلاّ يخسر وظيفته. والحرّية في البيت النّاجح تتقيّد بقانون الأهل، وإلاّ يخرب. إذًا الحرّية الصّحيحة هي مسؤولة. وهذا ينطبق على موضوع عبادة الله الّتي يجب أن تنضبط ضمن الأطر الكتابيّة.

أمثلة من الكتاب المقدّس

رفض الله عبادة قايين الّتي ركّز فيها على أعمال الجسد والذّات فقدّم من ثمار الأرض بدل الذّبيحة الدمويّة للتّكفير عن خطاياه. لم يكن حرًّا في عبادته لأنّ الله الملك هو الّذي وضع هذا التّشريع بحسب سفر اللاّويين. لم ينجُ أبناء هارون من العقاب حين أشعلوا على المذبح نارًا غريبة لم يأمر بها الرّب. غضب الله من شعبه لمّا صنعوا عجلاً ذهبيًّا وعبدوه. وكان على موسى أن يبني خيمة الإجتماع حسب المثال الّذي أُعطي له من السّماء. لم يكن مسموحًا للشّعب أن يعبدوا الله بعيدًا عن هذه الخيمة أو بدون التقيّد بقوانين النّاموس. ولم ينجحوا عندما حاولوا الإشراك في العبادة بين الله و"داجون" الإله الوثني. وفي أيّام الأنبياء أشعياء وحزقيال رفض الله عبادة شعبه لأنها لم تكن بحسب مشيئته. صرّح المسيح، "ليس كلّ من يقول لي يا ربّ يا ربّ يدخل ملكوت السّموات." واقتبس من نبوّة اشعياء، "هذا الشّعب يقترب إليّ بفمه أمّا قلبه فمبتعد عني بعيدًا، وباطلاً يعبدونني." اذًا الحرّية في العبادة يجب أن تتحرّك ضمن إطار مشيئة الرّب المعلنة في الكتاب المقدس.

إكرام الملك

حين يردِّد المؤمنون، "أبانا الّذي في السّموات. ليتقدّس اسمك. ليأتِ ملكوتك"، يقرّون أنّ الله في الوقت ذاته أب وملك؛ وهم في آن واحد أبناء ومواطنون؛ كأبناء يشكرونه على محبّته وعنايته، وكمواطنين يطيعونه ويعبدونه. أعظم خطأ يرتكبه مواطن هو الإخفاق في احترام مَلِكه، وأعظم صلاح يعمله هو أن يخدمه في محبّة. وهذا "الأب الملك" يرغب أيضا التّواصل والشّركة مع "أولاده المواطنين"، والّتحدّث إليهم. من هنا أهمّية العبادة. يمكن لإنسان أن يعمل لدى شخص ما ويطيعه إكراهًا. ولكنّه لا يقدر أن يعبد الله ما لم يكرمه ويحبّه.

العبادة لها موضوع وهي واجب. موضوع العبادة هو الله القدّوس نفسه. لا يرضى إلاّ بعبادة شخصيّة من كلّ القلب والفكر والإرادة. يريد من مواطنيه أن يعبِّروا بالفم الملآن عن محبّتهم وإكرامهم له كملك. بعض الناس يعبدون صورًا وأصنامًا، والبعض أسلافًا ميّتة، والبعض ينحني للطّبيعة. لكن ليس لأيّ منها صفة الدّفء والشخصيّة أو إظهار المحبة أو استجابة الصلاة. اما الله المُعلَن في الكتاب المقدّس فهو شخص حيّ، ومحبّ، ويظهر ذاته للمؤمنين به عندما يأتون إلى محضره بالتّسبيح. إنّه الإله الحقيقيّ الوحيد، وليس غيره.

الواجب في العبادة هو الخضوع للربّ يسوع المسيح، إبن الله. لا يمكن لإنسان أن يصرِّح "أنا أعبد الله، ولكنّني لا أومن بأن يسوع هو إبن الله". هذا مستحيل! لا يقدر أن يعبد الله ويرفض ابنه في آن واحد. يقول الرّسول يوحنا، "ومهما سألنا ننال منه لأنّنا نحفظ وصاياه ونعمل الأعمال المرضيّة أمامه. وهذه هي وصيّته أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح ونحبّ بعضنا بعضًا كما أعطانا وصيّة" (1يوحنا3: 22 - 23). كيف يعبد الناس الله وهم لا يطيعونه؟ لقد أوصاهم أن يؤمنوا بأن يسوع المسيح هو ابنه.

توقير اسم الملك

عندما يوقِّع مسؤولٌ مُستندًا يعلن موافقته على تنفيذ محتوياته. يحمل اسمُ الله كليَّةَ المعرفة والقدرة والوجود. إنّه الملك الّذي لا يُسْتَقْصى غناه ولا يعوزه شيء؛ فعندما يضع اسمه على وثيقة، يعني أنّه سيحقِّق حتمًا ما جاء فيها. العبادة في المسيحيّة تنطلق من الإيمان أنّه، باسم المسيح يسوع، سينجز الله كلّ وعوده المدوَّنَة في كلمته. الشكّ في كلمته إهانة لاسمه القدّوس القويّ. مثل إنسان يتناول حوالة تحمل توقيع ثريّ ويأبى الذّهاب إلى المصرف لعدم ثقته بوجود رصيد كاف. يقول بولس: "لأن كلّ من يدعو باسم الرّب يخلص" (رومية10: 13). يقول الربّ يسوع: "وكلّ ما تطلبونه في الصّلاة مؤمنين تنالونه" (متى21: 22). هذه المواعيد تحمل نوقيع الله وسوف يستجيبها إذا طُلِبَت بإيمان. ثمّة مواعيد كثيرة مدوّنَة في الكتاب  المقدّس. من يعبد الله عليه أن يطرح شكوكه مصدِّقًا كلمة الله وواثقًا باسمه. النّاس عادة تصدّق كلام الأطبّاء والأصدقاء والسّياسيّين ورجال الدّين، ولكن يبدو أنّه من الصّعب عليهم تصديق الله. فكيف يتوقّعون منه قبول عبادتهم واستجابة صلواتهم بينما يُعطون أسماء الناس توقيرًا أكثر من اسمه؟

عرش الملك

الحرّية في العبادة تتحدّد أيضًا بمن يسود على حياة العابد. وتشير إلى ضرورة المحافظة على مجد الله في الحياة والأعمال. طوبى لمن يدع الله يسود على قلبه. يحاول الشّيطان اغتصاب عرش قلوبنا بأن يسلِّط فيها الذّات والأنانيّة، أو العمل والإنشغال، أو اللّهو والملذّات، أو تبعيّة النّاس، أو المال والشّهرة. يريد الله من "أولاده المواطنين" أن يعطوا المجد لاسمه فقط، وأن يتلذّذوا بقضاء وقت معه في كلّ يوم، ويتمتّعوا بحضوره في حياتهم. هذا يتمّ حين يكون الله على عرش قلوبهم. لا يجب أن يكرم العابد شيئًا، أو أحدًا، أكثر من الله! ولا يجب أن يستخفّ بالمقدّسات أو أن يتجاهل يوم الرّب، والعبادة مع المؤمنين في بيت الله.

إنّ حدود الحريّة في العبادة المسيحيّة هي الجدّية والوعي والتّقوى بحسب كلمة الله الملك القدّوس.