حظّ أو نعمة؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

كثيرًا ما نسمع صرخات أليمة تُطالب الله بالتدخّل لإنقاذ الناس من الشّرّ والظلم. تبدو هذه الصيحات مُبرَّرة ومنطقيَّة، ويبدو، بحسب الظاهر، أنَّه من الأفضل على الله أن يُسرع في عمل شيء قبل أن يضمحل الإيمان ويتملَّك اليأس والفشل الناس. ومن المـُلفت التشابه الكبير بين هذه الصَرَخات وبين صرخة المـُذنب الذي كان يُصْلَب بجانب يسوع الناصري حين قال له "إن كنت أنت المسيح، فخلِّص نفسك وإيَّانا!" يستمر هذا التشابه بالتصاعد عندما نُتابع ونلاحظ أن يسوع لم يُجِبْهُ بشيء. حصل ذلك على تلّة الجُلجُثة ومازال يحصل مع البشريَّة كل يوم. ما المشكلة في هذا الطلب، وما المانع من أن يُبرهن الله عن وجوده وقدرته بالاستجابة والتدخُّل السريعين؟ ليس الجوابُ سهلًا بالطبع؛ لكنّ ما قاله المـُذنب الآخر يكشف بعضًا من الحقّ عن الموضوع، كما يُظهر موقف الله من الناس عند تفاعلهم مع أوضاعهم البائسة.

في الجانب المقابل، اعترف المـُذنب الآخر بأنه يستحق عقابه بعدل، على رغم أنَّ حكم الموت بطريقة الصلب المؤلمة والمـُهينة لا يستحقها إنسان مهما بلغ حجم جرمه. وما دَفَعَ هذا المـُذنب إلى قبول هذا المصير هو مقارنته لنفسه مع ما كان يسوع يفعَلُهُ بجانبه. عندما يجري أحدهم مقارنة كهذه، حتَّى ولو كان من أكثر الناس الذين يعانون من الظلم والألم، سيجد نفسه مُستحقاً العقاب، لأنه جزء من هذا العالم الساقط المتمرّد. عندما يتأمَّل أبَّر الناس وأقدسهم في يسوع المصلوب، سيكتشف أن الخطيَّة في القلب هي المشكلة الكبرى أولًا وأخيرًا، وهو أحد عبيدها.

أراد المـُذنب الأوَّل أن يَخلُص من الموت بينما وجد الثاني أنَّه يَستحِقُّه ورأى في موت المسيح خلاصًا من نوع آخر. طالب الأوّل بالخلاص من حكم الموت، فيما خلُص الثاني من الكبرياء والشفقة على الذات. وجد الأوَّل في مأساته سببًا وجيهًا للخلاص، بينما رأى الثاني في آلام المسيح بابًا مفتوحًا لدخول الفردوس.

من المدهش كيف عرف هذا المـُذنب أن يسوع الناصري هو المسيح الملك وتاجه لم يكن أكثر من إكليل شوكٍ! من المدهش كيف عرفه مُخلِّصًا وهو يَسفِك آخر قطرات دمه! لكنني أظن أنّ ما يبعث على الدهشة والتعجب هو كيفية تجرَّئه، وبهذه البساطة، على الطلب من المسيح أن يُدخِلُه في ملكوته. وأكّد له المسيح في المقابل نجاح مسعاه بقوله الشهير له "الحق أقول لك: إنك اليوم تكون معي في الفردوس". 

يُدهش هذا المـُذنب كيف لخّص بكلمات قليلة عقائد كثيرة وكشف عن الطريقة العجيبة لدخول الراحة الأبديَّة. يُدهش كيف جرَّدَ كلَّ التنظيمات الدينيّة من أي ادِّعاءات بامتلاك حقوق حصريَّة في موضوع الخلاص، وهزَأَ من كل الشروط والمقاييس التي يضعها أعظم الناس وأتقاهم لدخول السماء. لم يعمل شيئًا وهو في الواقع عاجز عن فعل أي شيء، لكنَّه اعتمد فقط على نعمة ورحمة من اختار أن يصنع الفداء بجواره. فإمَّا أن هذا المـُذنب هو أحد أكبر المحظوظين في العالم، وإما إنَّ من فتح أبواب الفردوس وأدخله برفقته إليه هو أعظم مخلّص في العالم، وقد فتح قلبه وعقله ليُعطينا إلى الأبد مثالًا صارخًا وواضحًا عن كيفيَّة الحصول على تأشيرة مجانية للدخول إلى الوطن السماوي.

AddToAny