خادمة البيت الصّغيرة وقائد الجيش العظيم

الموضوع:
العدد:
السنة:

كانت لا تزال فتاة صغيرة، تحتاج إلى الحنان والعطف، وتريد أن تعيش طفولتها بين رفاقها في القرية وبين إخوتها في البيت، عندما حدث أمر حرمَها من كلّ ذلك، فباتت الذّكريات مجرّد أمر جميل في مخيّلتها.

من أمام بيتها في الحيّ الّذي تربّت فيه، سُبِيَت على أيدي غزاة إلى أرض بعيدة وإلى عائلة لا تعرفها. من أحضان أسرتها أُخِذَت ومن دفء والدَيها ومحبّتهما حُرِمَت. وبعد أن كانت بنت البيت المحبوبة صارت جارية، وخادمة البيت الغريبة. إنّها الفتاة الصّغيرة، الخادمة في بيت نعمان السّريانيّ، الّتي يروي لنا الكتاب المقدّس قصّتها في (2ملوك 5). وعلى الرّغم من عدم ذكر اسمها، إلاّ أنّنا نتعلّم الكثير منها.

كانت تُطيع أوامر سيّدها، أحبّت أعداءها وبارَكت لاعنيها، ولم يعرف قلبها الحقد أو الكراهية. فقد تربّت على الإيمان والمحبّة لأنّها كانت تعبد إله المحبّة الّذي اعتنى بها في أثناء غربتها. أمام عائلة نعمان، تلك العائلة الّتي لم تكن تعرف إله هذه الفتاة، لم تُخفِ حقيقة إلهها الخالق لكلّ الأشياء بكلمة قدرته.

أُصيبَ نعمان بمرض البرص، وهو مرض مُعدٍ يستدعي إبعاد المريض عن عائلته، فأُصيبَت زوجته بالحيرة والحزن والخوف على زوجها. رأت الفتاة سيّدتها في تلك الحالة فلم تستطع السّكوت ولم تُخفِ الأمر، بل تكلّمت بكلّ جرأة ولم تخجل بإلهها، لأنّها عالِمَة أنّ إلهها وحده هو القادر على شفاء سيّدها. فقالت لسيّدتها: "لو يذهب سيّدي إلى رجل الله في بلادي، وهناك يُقال له ماذا ينبغي أن يفعل لكي يُشفَى". وهكذا صار. ذهب نعمان إلى أليشع نبيّ الله، وأطاعه واغتسل في مياه نهر الأردنّ سبع مرّات، وشُفيَ من مرضه، وعلم أنّه لا إلهًا حقيقيًّا قادرًا على الشّفاء غير إله تلك الفتاة الصّغيرة، وآمن به وعاد بسلام إلى بيته.

عجيب أمر هذه الفتاة، فهي مع كونها صغيرة ومسبيّة إلاّ أنّها لم تسمح لظروفها القاسية المناوئة لحياتها أن تمنعها من أن تكون نافعة وإيجابيّة، فكانت سبب بركة كبيرة في حياة قائد عظيم. ليتنا نتعلّم من هذه الخادمة الصغيرة أن نكون نافعين لغيرنا، حتّى في أقسى الظّروف.

AddToAny