خداع الصحراء

العدد:
السنة:

قليلون منا زاروا الصحراء ويعرفون ما هي. إنها تلال رملية تتغيّر أشكالها مع هبوب الرياح الحارة... أرضٌ جرداء لا وجود لشجرة واحدة يمكن الإنسان أن يتفيأ في ظلالها. إنها بانوراما عجيبة، والسؤال الذي يمر في أفكارنا هو من أين جاءت وكيف تكوّنت؟ ويبقى هذا السؤال عند الكثيرين بلا جواب. لكن الله الذي أوجدها يقول بأنه كوّنها كي لا تتعدّى البحار حدودها!

سنحت لي الفرصة، في أحد الأيام، بزيارة الصحراء والتمتع بيوم راحة في جوّها. فذهبت بسيارة أحد العارفين بطرقها مخلّفين وراءنا جبالاً من الغبار. وبعد نصف ساعة، رأيت في المدى البعيد ماءً زرقاء. كان المنظر مدهشاً وجميلاً. فطلبت من السائق أن يسير باتجاه المياﻩ، لكنه ضحك وتابع سيره، وكنت كلما ظننت أننا اقتربنا من المياه كانت تبتعد أكثر. فقال لي السائق، "إن ما تراه ليس مياهًا، بل خداع الصحراء. إنه السراب الذي لا يمكنك بلوغه أبدًا. وقد عُثر على جثث الكثيرين الذي ماتوا عطشاً وهم يركضون وراء السراب."

تابعنا مسيرتنا ونحن نتكلم عن أخطار الصحراء وإذ بي ارى على بعد قليل منّا، رمالاً تلمع، كأنها تحوي ماء، فطلبت من السائق التوقف. لكنه زاد من سرعته. وطلبت منه الرجوع لنشاهد الماء الذي يلمع. فأجابني: "إن ما تراه ليس ماء لامعًا لكنه رمال متحركة." إنه مرة أخرى: خداع الصحراء. هذه الرمال خدعت كثيرين اقتربوا لكي يشاهدوا وما إن وطئت أقدامهم الرمال حتى شرعوا رغماً عنهم بالغوص ولم يتمكن أحد من إنقاذهم.

يا له من درس تعلّمته من سراب الصحراء ومن الرمال المخادعة: فكم من الأشياء نركض وراءها وهي ليست إلا سراباً. كم نضيّع من الأوقات ونصرف من المال لا بل نهدر حياتنا ونحن نجري وراء السراب، وكلما اقتربنا منه زاد بعداً. كم من شخص غرق في رمال مباهج الحياة وخُدِع بسحرها وألوانها، جذبتهم نحوها وغرقوا في أمراحها. كثر هم الأشخاص الذين خدعوا شخصياتهم بحشيشها، وسكروا بعظمتها، أو جلسوا على موائدها المتحركة يبحثون عن الربح فيأخذون في الخسارة.

لنسمع صوت الرب يقول: اهتموا لا للبائد بل للباقي للحياة الأبدية. نعم أن حياتنا ليست سراباً. مَنْ منّا لم يسأل نفسه: "لماذا انا موجود؟ ومن أنا؟ وما هو سبب وجودي في هذه الحياة؟ أسعى وراء أشياء ولكني لا أجدها."

سوف نبقى ضحايا خيال الصحراء وخداعها إلى أن نصل إلى الحقيقة. ونسمع صوت الله يقول: أنا أوجدتك لتعبدني وتمجدني. وعندما نصل إلى هذه الحقيقة تختفي كل السرابات. ولنحذر السراب والرمال المتحركة، فهي تستهوينا لكن الله لا يريدنا ان نهلك بل أن نأتي إليه فنرتوي ونشبع ونخلص.

AddToAny