خمسة معايير للتّرانيم الإنجيليّة القيّمة

الموضوع:
العدد:
السنة:

ما المُميّز في التّرانيم الإنجيليّة التّقليديّة؟  هل يجب أن تتمسّك الكنائس بها، أو تستبدلها بالتّرانيم الجديدة مُحاكاةً للعصر؟  وهل التّرانيم القديمة هي أسمى من الحديثة، وما السّبب في ذلك؟  هل تُدافع الكنائس عن التّرانيم التّقليديّة لمجرّد أنّها قديمة، أو يجب أن يكون هناك أسباب موجبة وقويّة ومُلزِمَة تقودها إلى عدم تجاهلها؟  فمن المُسلَّم به أنّه يجب ألاّ يكون في الكنائس غير التّقليديّة "تقاليد" يُحافَظ عليها من دون أسباب وجيهة.  القصّة ليست قصّة ذوق شخصيّ.  يذكر هذا المقال بعض المعايير العالية الّتي تُكرمها التّرانيم الإنجيليّة التّقليديّة، وتكسرها القرارات[1] والتّرانيم العصريّة.  فإذا تجاهَلَ كُتّاب التّرانيم الحديثة هذه المعايير، تُعاني العبادة الحقيقيّة كثيراً، وتكون النّتيجة مأساويّة على المؤمنين.

كيف نُحدِّد ما هي التّرنيمة القيّمة أو الجيّدة؟  يُقدِّم كاتب هذا المقال سبعة معايير أساسيّة يعتبرها ضروريّة لتصنيف التّرانيم، جيّدة كانت أم سيّئة.

أوّلاً:  على التّرنيمة أن تعكس مثال المزامير وطريقتها - وهي التّرانيم الإلهيّة في العهد القديم.  فعلى كُتّاب التّرانيم الإنجيليّة أن يتناولوا المواضيع المطروحة في المزامير وترانيم الكتاب المقدّس.  كما يجب أن يحافظوا على توازن العناصر الأساسيّة للعبادة المسيحيّة الكتابيّة.  فمن أكثر  المآخذ على التّرانيم العصريّة أنّها تتخلّى عن هذه المبادئ الواردة في كلمة الله.  وعلى الرّغم من كونها تستخدم بعض المزامير أحيانًا، إلاّ أنّها تتجاهل مستواها الفكريّ، ووقارها، واحترامها، وخصائصها القيِّمة، وأسلوب عبادتها، وتوازنها العقائديّ.

          ثانيًا:  على التّرنيمة أن تكون بنّاءة.  المطلوب أن تزيد التّرانيم العابِد معرفةً بحقائق كلمة الله؛ فتشرحها له وتُطبّقها على قلبه.  كما تقوده إلى التّجاوب مع الله من خلال الكلمات المفهومة الّتي يُرنمّها.  فهي كالمزامير، عميقة، لكنّها في الوقت نفسه مفهومة وواضحة.  هي تُظهِر أنّ مداها واسع ومُنشِّط للرّوح، وذلك من دون أن تكون مُعقّدة للذّهن العاديّ.  لغتها غير صوفيّة، غارقة في رمزيّة لا يفهمها سوى بعض الّذين يدّعون معرفة خاصّة، وتكون عرضة لتفسيرات مختلفة من المؤمنين.  التّرنيمة الجيّدة تستخدم لغة وصُوَراً كتابيّة يفهمها عامّة المؤمنين.  هذا هو معيار المزامير – فهي ليست عالية جدًّا فوق الذّهن البشريّ، ولا مُتدنيّة جدًّا دونه، على عكس القرارات العصريّة.  إنّها كأمثال يسوع، بسيطة، وفي الوقت عينه مليئة بالمعاني والعِبَر.  هذا ما ننظر إليه في التّرنيمة، إنّها نصٌّ بسيط باعتدال، وجيّد، ومُترابِط، وقويٌّ، وقيِّمٌ، وبنّاء، ويرفع النّفس.

          هناك ترانيم، كتلك الّتي كتبها "واتس" و"وِسلي"، علّمت العقيدة المسيحيّة لآلاف وآلاف من المؤمنين، من أدنى الطّبقات إلى أعلاها.  هذا الأمر لا ينطبق على القرارات الحديثة الّتي لا تُمكّن المؤمنين في الحقائق الإلهيّة الصّلبة، ولا تُساعدهم على أن يصيروا عميقين ونامين وناضجين. 

إنَّ سؤال بولس الرّسول في القديم: "هل هذا يَبني؟" يجب أن يُطبّق على التّرانيم.  كما يجب على المؤمن أن يسأل أيضاً: ما الّذي تُنجزه هذه التّرنيمة في حياتي؟  هل زادت فهمي وتقواي؟  هل بنَتني، ليس فقط عاطفيًّا بل أيضًا روحيًّا بالمعنى الصّحيح للرّوحيّات؟

ثالثًا: على التّرنيمة الإنجيليّة أن تكون وقورة.  فهي تُخاطب الله القدير.  يجب أن تكون أكثر من مُجرّد شعرٍ عاطفيّ رقيق موجّه إلى صديق حميم.  فالله هو العالي فوق كلّ البشر والرّياسات والسّلاطين.  فلا يُخاطبهُ المخلوق مخاطبة النّدّ للنّدّ، ولا مُخاطبة البالغ للولد ومن هو أصغر منهُ.  فإن كانت العبادة مُخاطبة لله فيجب أن يتذكّر المؤمن أنّه في التّرنيم يجب أن يُظهِر الاحترام والوقار للخالق والمُخلِّص والرّبّ.  للأسف، إنَّ بعض التّرانيم العصريّة، وبخاصّة القرارات القصيرة، يُخاطِب الله العليّ وكأنّه طفل صغير في صفّ الحضانة، وذلك من خلال تكرار بضع كلمات مبتذلة وتافهة، خالية من أيّ معنىً يدلّ على وجود وعيٍ عقليٍّ لعظمة الله لدى المرنّم.  ترانيم كهذه لا تستحقّ أن تُرنّم لله القدير، إذ إنّها لا تعكس أيّ وقار له.

رابعًا: على التّرنيمة الإنجيليّة أن تكون واضحة العقيدة، خالية من كلّ التِباس عقائديّ وغير غامضة الهويّة.  يجب أن تكون واضحة كفاية لتُزعج مَن لا يؤمن بالعقيدة التي تُعلّمها وتُشدِّد المؤمنين بها.  نرى أنّ بعض التّرانيم العصريّة تأخذه الكنائس غير الإنجيليّة، وتقبله جماهير واسعة من دون أن يُخاطبهم في شيء من مُعتقدهم غير المتوافق مع تعليم الكتاب المقدّس.  وهنا نتساءل: إن كان جميع النّاس، على تنوّع مواقفهم اللاهوتيّة، يقبل هذه التّرانيم، فكيف تبني بعد العابد الإنجيليّ؟

من الواضح جدًّا أنّ بعض التّرانيم العصريّة المعروفة قد انتشر انتشارًا واسعًا بين اللّيبراليّين وغير الكتابيّين حول العالم.  لكنّ هذه التّرانيم قد تسرّبت، للأسف، إلى بعض الكنائس المُحافِظة وأضعفت المؤمنين حتّى باتوا غير قادرين على الوقوف إلى جانب الحقّ، وذلك بفضل عباراتها الأنيقة، لكن الجوفاء، الّتي لا تحمل رسالة الكتاب المقدّس وتعاليمه، بل تُقدّم أفكارًا ورديَّة تحظى برِضى الجميع.  قد يقول النّاس إنّهم قد استمتعوا بهذه التّرنيمة العصريّة أو تلك، لكنّ الحقيقة تُقال إنّ هذه التّرانيم الخالية من أيّ مضمون عقائديّ سليم، لم تُحسِّن مفاهيمهم ولم تُغيِّر قناعاتهم لتصير أكثر كتابيّةً، بل كلّ ما في الأمر أنّهم استمتعوا باللّحن الموسيقيّ ليس إلاّ.

خامسًا:  على التّرنيمة أن تكون صحيحة العبارة وسليمة البنية.  لقد سبق وأشرنا إلى أنّ كلمات التّرنيمة يجب ألاّ تكون صعبة جدًّا ولا بسيطة كثيراً على صعيد مستواها الذّهنيّ.  أمّا القرارات العصريّة، فمستواها مُنخفِض جدًّا على الصّعيدَين الأدبيّ والفنّيّ. 

وبينما التّرنيمة الغنيّة بالعقائد الكتابيّة لا تُضحّي بمضمونها على مذبح التّبسيط من أجل إرضاء الجُهّال، تستخدم القرارات العصريّة لغة غير صحيحة، مشوبة بالأخطاء اللّغويّة وبضعف البنية الشّعريّة، من دون أن تُقيم اعتباراً لأهميّة علاقة المبنى بالمضمون وتلازُم الجملة الشّعريّة مع الجملة الموسيقيّة.  فكُتّاب التّرانيم الجيّدة يُحسنون استخدام المفردات بحسب القواعد السّليمة من دون أن يجنحوا نحو تفخيم العبارة بشكل مُبالغ فيه، أو التّفريط بسلامة اللّغة من أجل إرضاء اللّحن؛ فتبدو الكلمات مُقحَمة قسراً ضمن الجملة الموسيقيّة من دون مراعاة للأوزان الأدبيّة والفنّيّة. 

التّرانيم الحديثة الرّكيكة غالبًا ما تعكس ضعف كُتّابها الّذين لم يتمكّنوا من تقديم أفكار مترابطة بأسلوب شعريّ سليم وسَلِس.  هذه تصعد نجوميّتها وشعبيّتها مع انطلاقة لحنها العصريّ الجذّاب، إلاّ أنّها لا تُعمِّر طويلاً، إذ تموت مع زوال رونق موسيقاها.  أمّا الترانيم القديمة، فتدوم وتدوم، لأنَّ كُتّابها الموهوبين قدّموا أفضل ما لديهم بلغة صحيحة وبأسلوب سليم.  ليت الكُتّاب العصريّين يتعلّمون كيف يُحافظون على الجودة في إنتاجهم لترانيم سليمة تكون للبنيان وتليق بإله الكنيسة وتُمجِّده.

هذه المعايير قُدِّمت لتؤكّد أنّ التّرانيم الإنجيليّة القديمة لم تُكتب بطريقة عرضيّة كيفما كان.  لقد كتبها كُتّابٌ موهوبون يعرفون ماذا يفعلون ليكتبوا ترنيمة قيّمة يستخدمها شعب الله في العبادة.  كان لهؤلاء، الموهبة التّامّة ليُحسِنوا استخدام اللّغة بحسب قواعد التّأليف السّليم مُراعين مبادئ العبادة الأساسيّة.  هذا ما لا نجده لدى مُعظم الكتّاب المُحدَثين الّذين يدفعون بإنتاجهم عبر الكاسيتات إلى شعب الكنائس الّذي قد يستحسن استبدال قديمه الغالي بجديد بَخِس، مجاراة لموضة العصر. 

هذه التّرانيم الرّخيصة تتلاشى.  ويجب ألاّ ترتكب الكنائس جريمة إبقائها على قيد الحياة عنوةً مُقابل تغييب ترانيم خالدة من المُمكن أن تكون بركة للأجيال المتعاقبة.  أمّا أن تعتمد الكنائس النّوعين معاً في العبادة، فهي مُحاولة بشعة وبائسة لجمع المتناقضات في الهدف والأسلوب والنّوعيّة. 

الحلّ يكون بالإبقاء على التّرانيم القديمة، مع إجراء التّعديلات اللاّزمة والّتي تفرضها عمليّة تطوّر اللّغة، مع اعتماد ترانيم جديدة يُعتمد في كتابتها على المعايير المذكورة أعلاه.

 

[1] القرار أو chorus هو لازمة التّرنيمة أو الأغنية.  تحفظ العامّة عادةً القرارات وتُنشدها غيباً لسهولة حفظها.  هي كالرّدّيّات الزّجليّة.