دروس من حرب تمّوز

الموضوع:
العدد:
السنة:

يسأل السّياسيّون: وما هي الدّروس الّتي نستخلصها من هذه الحرب؟  لن نتكلّم في السّياسة في هذه المجلّة، لكنّنا سنستعرض عدداً من الدّروس القيّمة الّتي علّمتنا إيّاها الحرب. 

الدّرس الأوّل:  إنّ لبنان بلد أعطانا إيّاه الرّبّ، نُحبّه أيّاً تكن ظروفه.  بعضهم لا يرى أنّ الله هو الّذي يجعل النّاس في بلدانهم، فيستبدلونها عند أوّل نكسة تواجهها.  أمّا أنا فأومن بأنّ الله "حَتمَ بِالأوقاتِ المُعيَّنةِ وبِحُدودٍ مَسكَنِهِم (النّاس)" (أعمال 17: 26).  ومَن يُشاركني هذا الإيمان يشكر الله لأجل وطنه، وينظر إلى أرضه كأرض مُقدّسة وضعه فيها الله ليحيا ويعمل فيها.  إنّه لمن المؤسف حقّاً أن نرى الآلاف من الّذين لم تستهدفهم الحرب يهربون، ونتشجّع إذ نرى مئات الآلاف من النّازحين يصمدون في بلدهم.  طوبى لِمَن يُدرك أنّه في وطنه لأنّ الله وضعه فيه.  هذا يحيا بمشيئة الله فرِحاً شَكوراً. 

الدّرس الثّاني:  إنّ الإنسان مخلوق على صورة الله، نطلب له الحياة لا الموت.  ولا يحقّ لشخص مؤمن أن يطلب الموت لأخيه الإنسان بسبب اختلافه معه في الرّأي السّياسيّ.  كم رأينا وسمعنا أشخاصاً فرِحوا بمجيء الطّيّارات المعادِيَة ورغبوا، من دون أيّة شفقة، في أن تقضي على أبناء وطنهم ليرتاحوا من أخصامهم في السّياسة!  مَن يتعطّش للدّماء هو كالقاتل، لا يهرب بفعلته من أمام الله.  "لا تقتل"، وصيّة إلهيّة أبديّة لا يُمكن كسرها بلا عِقاب.  يحتاج كلّ واحد منّا أن يتعلّم ألاّ يسمح للسّياسة بأن تُحرّك غرائزه، فتُساويه بالحيوانات الكاسِرة الّتي لا تعرف قيمة الحياة الإنسانيّة، ولا تلتذّ إلاّ بالدّم.  إنّ المسيحيّ كالمسيح يطلب الحياة للآخرين لا الموت.

الدّرس الثّالث:  إنّ الحياة مليئة بالتّحدّيات، ويجب أن نحياها بالرّجاء.  وحيثما ذهبنا في الأرض ستُواجهنا الصّعاب.  بعض النّاس يختار الهروب، وبعضهم يختار الانتحار، وبعضهم الآخر يختار الرّجاء.  لقد تَعرَّفتُ إلى المئات من الّذين أذتهم الحرب ماديّاً وجسديّاً.  المُشجِّع في الأمر أنّ الكثيرين منهم تحدّوا الصّعاب غير مُبالين بظروفهم القاسية.  وفي الوقت عينه أرى كلّ يوم أشخاصاً لم تصبهم أذيّة مباشرة، إلاّ أنّهم غارقين في بِركة اليأس.  حزانى هؤلاء إذ لا يعرفون كيف يعيشون في الرّجاء والأمل.  إنّ حياتك تكون كما تُريدها.  إنْ أردتها مأساويّة كانت هكذا، وإن أردتها غالبة سَمَحْتَ للرّجاء أن يُطيِّب لك روحك ويُقويّها.  المسيح غلب الموت بالقيامة، فلا يجوز للمؤمن بالمسيح أن يعيش بلا رجاء. 

الدّرس الرّابع:  إنّ المحبّة العمليّة هي في صلب ديانة المسيح.  لقد كان للمسيحيّين من كلّ الطّوائف، ومن كنيستنا الإنجيليّة، فرصة ليُظهِروا محبّة المسيح للمتضايقين بطريقة عمليّة، إذ هذه من متطلّبات الدّيانة الطّاهرة أمام الله.  إنّ خدمة الإغاثة في هذه الحرب حقّقت ثلاثة أمور:  أوّلاً، كسرت حاجز الخوف بين النّازحين والمُضيفين وهم من ديانات مختلفة.  ثانياً، علّمت المحبّة العمليّة للّذين خدموا وللّذين خُدِموا.  ثالثاً، حقّقت تقارباً وزمالة بين الّذين تشاركوا في التّعب والبركات في آن.  لا يقدر المسيحيّ أن يرى أخيه الإنسان محتاجاً لشيء ويَعبُر عنه من دون أن يُعينه.  إنّ من يُقدّم كأس ماء لطفل يكون قد قدّمه للمسيح شخصيّاً، ومن يزور المتألّم يكون قد زار المسيح شخصيّاً، والله يُكافئ تعب المحبّة.   

ربّما هناك دروس أخرى تعلّمناها، لكنّ ضيق المكان لا يسمح لنا بذكرها.  وتبقى الحياة مدرسة تُعطينا الفرص النّادرة لنتعلّم دروساً قيّمة لا ننساها.  ودروس هذه الحرب ستبقى مطبوعة في ذاكرتنا لسنين طويلة.  نتمنّى ألاّ تتكرّر، ونرجو أن نعمل بحسب ما تعلّمنا ما دمنا أحياء.