دروس من شخصيّة هارون: القبول بالمركز الثّاني

الكاتب:
العدد:
السنة:

من السّهل على المرء أن يحتفظَ بروح الرّضى ومشاعر التّفوّق وهو في المركز الأوّل، ومن البديهيّ أيضاً أن يغمره التّواضع والشّعور بعدم الاستحقاق بعد فوزه بإكليل من غار.  لكن، هل سيكون الأمر بهذه البساطة فيما لو كان في المركز الثّاني، أو يقوم بدور ثانويّ؟ 

جاءت أمّ ابنَي "زَبَدي" إلى يسوع تطلب لولَدَيها المقامَ الأوّل في ملكوته، كأن يعيّنهما في مركز الصّدارة ويمسحهما بالمواهب للأدوار الرّئيسة.  لكنّ ربّ المجد، الّذي ارتضى في تواضعه بأقلّ من المركز الثّاني، "آخِذاً صُورَةَ عَبدٍ" (فيلبّي2: 7)، أجابها بأنّ العَظَمة الحقيقيّة في ملكوته هي في القبول بالمركز الثّاني؛ فالعظيم هو خادمُ الجميع، والأوّل هو عبدٌ للجميع (متّى20: 20–28).  إنّ الصّفات الشّخصيّة الدّاخليّة المميّزة تنضج وتُثمر عندما يكون الإنسان في المركز الثّاني أو حتّى في مراكز أقلّ.

تتحدّث الكتب عن موسى كليم الله وتترك هارون مغموراً، كما تُشير العِظات إليه كقائد عظيم وتتغافل عن ذكر أخيه.  لقد قام هارون بدورٍ ثانويّ، فظهر كتابِعٍ لموسى وخاضِعٍ له.  لكنّه في نظر الله لم يكن أقلّ شأناً منه، فمَنْ يأخذ خمس وزنات هو أقدر ممَّن يأخذ وزنتَين أو وزنة واحدة، لكنّه يتساوى معهما في المقام. 

إنّ الأسطر القليلة الآتية تُبيِّن خدمة "هارون" وصفاته الطّبيعيّة.

صفات هارون الطّبيعيّة

لقد تمتّع هارون بمجموعة من الصّفات الطّبيعيّة المتميِّزَة والمؤهِّلَة لمركز الصّدارة والنّجاح.  فمن جهة اسمه، والأسماء لها دور هامّ في تحديد الشّخصيّة ومهامّها في الكتاب المقدّس، فإنّ الكلمة "هارون" تعني ثروة وهي تشير إلى فصاحة اللّسان وتدفّق الكلام برشاقة، كما تدلّ على فيض البصيرة والحكمة.  أمّا موسى، المُنتَشَل من الماء، فاسمه يتعلّق بحادثة وليس بصفة شخصيّة مميّزَة.  ومن جهة المركز العائليّ، هارون هو الابن البِكر وهو يحظى، بحسب العهد القديم، بأحقّية الإرث وبَرَكَة خاصّة من أبيه ومن عشيرته ومن الرّبّ.  كما أنّه يمثِّل في شجرة العائلة الجيل الرّابع من جدّه "لاوي"، أي أنّه يحمل اسم العائلة ومجدها وتاريخها وتقاليدها، وانتماؤه العائليّ كامل، بعكس أخيه الّذي انتمى إلى ملكيّة أخرى واعتُبِر ابنُ ابنة فرعون.  إنَّ مركز موسى في البلاط الفرعونيّ وضعه في مركز قياديّ عالٍ منذ نعومة أظافره.  أمّا هارون فكان أكثر موهبةً وكفاءةً واستعداداً منه للخدمة.  من أجل ذلك اختاره الله ليكون النّاطق الرّسميّ لِكَليمِه الّذي كان ثقيل الفم واللّسان. 

تقول القاعدة إنّ الله لا يختار المؤهَّلين بل يؤهِّل المختارين.  فهو لم يختَر الأخ الأكثر موهبة وطلاقة وقيادة، بل الشّخص الّذي سيستخدمه بشكل أفضل.  كان موسى قد هرب من مصر بعد أن تدخّل لخلاص شعبه، مُندَفِعاً بالجسد وليس بالرّوح.  وبينما كان في البرّيّة يرعى غنماً، أعلن الرّبّ له ذاته متكلِّماً إليه من خلال علَّيقة مُشتَعِلة وغير مُحتَرِقة، فتَكرَّسَ، بعد تردّد، للخدمة الإلهيّة.  ولمّا حان الوقت ليرسله إلى شعبه في الخدمة الفعليّة، زوَّده بسلطانه الإلهيّ ووعده بأن يرافقه دائماً وبأن يَمدَّه بالقوّة.  إلاّ أنّ موسى رفض الدّعوة وأبى تحمّل تبعيّاتها متذرِّعاً بضعف شخصيّته ونقص موارده، فاستعفى قائلاً:  "استَمِعْ أيّها السّيِّد، أَرْسِل بِيَدِ مَنْ تُرسِل" (خروج 4: 13).  كانت النّتيجة أن حميَ غضب الرّبّ عليه بسبب تردّده النّاتج من عدم إيمانه وتسليمه، ومن تواضعه غير الملائِم، وأخذ منه البركة وقسمها بينه وبين هارون.  لأنّ المرءَ إذا رفَضَ بركات الله نال عدم رضاه؛ أمّا إذا خدمه فذلك أنعَمَ الرّبّ ببركاته عليه.

غير أنّ الله وضَعَ هارون الموهوب في المرتبة الثّانية، واختاره للخدمة ولمرافقة موسى وإعانته.  نقرأ في خروج 4: 14 "ألَيسَ هارونُ اللاّويُّ أخاكَ؟ أنا أَعلَمُ أنَّه هوَ يَتكَلَّمُ، وأيضاً ها هوَ خارِجٌ لاِستِقبالِكَ. فَحينَما يَراكَ يَفرَحُ بِقَلبِهِ."  ليس المهمّ أنّ الله قد وضَعه في المرتبة الثّانية، بل إنّه رَضيَ بذلك وحافظ على موقف سليم من أخيه الّذي كان في المرتبة الأولى، مع أنّه أقلّ موهبة منه.  كان هذا أيضا موقف النّبيّ داود الّذي رضيَ بالمقام الثّاني، مُنتظراً موت الملك شاول وهو يعلم بأنّ الله قد رفضه من المُلك.

هل يكون هذا أيضاً موقف مؤمني العهد الجديد؟  قليلون هم المدعوّون إلى خدمة رياديّة قياديّة ظاهرة كموسى وبولس، أمّا الغالبيّة فمدعوّة إلى خدمة مساندةٍ خفيّة كهارون وبرنابا ويوحنّا المعمدان.  السّؤال المطروح هو: هل يرضى كلّ واحد بمقدار الإيمان الّذي قسمه له الرّبّ؟  هل يخدم بفرح وهو في المقام الثّاني؟  تحتاج الكنيسة اليوم إلى مَنْ يقوم بخدمة مُضحّيَة تلقائيّة ضمن الشّروط الإلهيّة والكتابيّة. 

خدمة هارون

مع أنّ الكتب الخمسة الأولى في العهد القديم تتمحور حول نشاط موسى، إلاّ أنّنا لا نستطيع تجاهل ما فعله هارون.  فهو لم يكن دائماً قويّاً، وقد ظهرت فيه نقاط ضعف وقوّة.  وكان في قوّته قريباً من الرّبّ، فسَنَدَ أخاه، مُضيفاً إلى خدمته بركة ومسحة إلهيّتَين.

كان موسى القائد المتقدِّم أمام فرعون، أمّا هارون فكان المتكلِّم الرّسميّ في خدمة موسى.  وما العبارة "وقال موسى" إلاّ للتّأكيد على أنّ الرّبّ قد استخدم فم هارون.  نقرأ قول الرّبّ: "أنا أَعلَمُ أنَّه هوَ يَتكَلَّمُ ... فتُكلِّمُه وتَضَعُ الكَلِماتِ في فَمِه... وأُعْلِمُكُما ماذا تَصنَعانِ. وهوَ يُكلِّمُ الشَّعبَ عَنكَ. وهوَ يَكونُ لكَ فَماً، وأَنتَ تَكونُ لهُ إِلهاً." (خروج 4: 14-16).

وقد اجتَرحَ هارون المعجزات: رمى عصاه أمام فرعون وعبيده فصارت ثعباناً، ثمّ بَسَطها فوق مياه النّيل فتحوّلت إلى دمٍ.  كان موسى يطلب و"هارون" يفعل.  خدمة الأوّل أثارت حميّة الثّاني، وخدمة الثّاني كمّلت عمل الأوّل.  لا يستغني الأوّل عن الثّاني ولا يرفض الثّاني الأوّل.  يقول الرّسول بولس عن جسد المسيح: أعضاء كثيرة لكنْ جسد واحد، أعضاء بعضاً لبعض كلّ واحد للآخر.  وضع الله الأعضاء كلّ واحد منها في الجسد كما أراد.  لا تقدر العين أن تقول لليد: لا حاجة لي إليكِ، أو الرّأس أيضاً للرّجلَين: لا حاجة لي إليكما.  بلْ بالأَوْلى أعضاء الجسد الّتي تَظهَر أضعف هي ضروريّة، والّتي تُحسَب أنّها بلا كرامة نُعطيها كرامةً أفضل.  مزج الله الجسد مُعطياً النّاقص كرامة أفضل، لكي لا يكون انشقاق في الجسد، بلْ تهتمّ الأعضاء اهتماماً واحداً بعضها لبعض.  ليس الجميع رسلاً أو أنبياء أو معلّمين، ولكنّ الجميع يجب أن يسيروا في طريق المحبّة الأفضل.

 

ولقد ساهم هارون أيضاً في مساندة أخيه.  فعندما كان على موسى أن يُلهِمَ الجنود في حربهم ضدّ "عماليق" وأن يرفعهم بالصّلاة، لأنّه إذا رفع يدَيه انتصر الشّعب وإذا أرخاهما وأخفضهما انكسَرَ، أسرع هارون ودَعَم يدَي موسى، فظلّت ثابتة حتّى غروب الشّمس وانهزم العدوّ.  مَنْ كان المنتصر هنا؟  هل الشّعب في ساحة المعركة أو القائد الواقف من أجل الشّعب أو هارون الّذي سَنَد يد القائد؟  لا تُقهر الحرب الرّوحيّة في الكنيسة بخدمة راعيها وصلواته ولا بخدمة أصحاب المواهب المنظورة، بل بالمساندة الطّوعيّة والتّلقائيّة من الّذين يقبلون أن يكونوا في المقام الثّاني.  نقرأ في خروج 4: 27-29 عن لقاء الأخَوَين، وكيف أخبر موسى هارون بجميع كلام الرّبّ، فمضيا معاً كفريق واحد ليجمعا الشّيوخ، وتكلّم هارون بجميع الكلام.  هكذا أرسل يسوع تلاميذه، اثنين اثنين، أحدهما يقوم بمساندة الآخر.

خدم هارون أخيراً كرئيس الكهنة الأوّل لنظام الكهنوت الّذي أسّسه الله بواسطة موسى.  وقد قام بهذه الخدمة بشكل مميّز جدّاً كوسيط بين الرّبّ والشّعب.  لكنّه لمْ يكنْ كاملاً، وقد ظهرت في حياته أخطاء جسيمة، فهو الّذي سَبكَ العجل الذّهبيّ ليعبده الشّعب بعد أن تأخّر موسى على الجبل (خروج 32).  أمّا الرّبّ فقد استخدمه على الرّغم من ضعفاته وسقطاته.  فالله يعرف جَبْلَتنا أنّنا تراب، لذلك يترأّف بنا، ويرحمنا إلى الدّهر والأبد.

رضيَ هارون القيام بدَور ثانويّ في الخدمة بسرور وتواضع.  لقد قدّم أخاه في الكرامة، وانقادَ إلى المُتَّضِعين وخدم في الخفاء خدمة جليلة ومُثمرة.  يتعلّم منه الباحث الحكيم في ملكوت المسيح درساً ثميناً، مفاده أنّ طريق العظمة الحقيقيّة هي في قبول الخدمة في المركز الثّاني.  يتطلّب هذا القبول تكريساً كاملاً، وإيماناً ثابتاً، وتواضعاً حقيقيّاً، وأمانة.  يجب على خدّام الكلمة في أيّامنا هذه أن يُنَمّوا في شخصيّاتهم الخِصال الضّروريّة "فَيَرتأوا إلى التَّعَقُّل كما قَسَم الله لكلِّ واحِدٍ مِقداراً مِنَ الإيمان".