دمعة سيّدي يسوع

الموضوع:
العدد:
السنة:

وقفت، تأمّلت، جمدت، وصُعقت!

أنتَ ملك الملوك، وربّ الأرباب، والألف والياء، والبداية والنّهاية، وخالق كلّ ما في الأكوان بكلمة من فمك تقف وتبكي أمام قبر لعازر!

أنت يا إلهي تبكي!  وتسقط دمعتك الغالية على خدّيك، هذه الدّمعة الغالية الّتي تفوق بثمنها اللّؤلؤ والذّهب، بلْ كنوز العالم قاطبة. 

على مَنْ تبكي يا سيّدي؟  على الإنسان الّذي خلقته، وجبلته من التّراب ونفختَ فيه روح الحياة وأسْكَنتَه الأرض وأوكَلْتَه على كلّ ما صنعتَ وصوّرتَ، ولمْ تطلبْ منه إلاّ القليل: افعلْ ما تريد، وكُلْ ما تشتهي، ولكنْ إيّاك أن تقتربَ أو تأكلَ من شجرة "معرفة الخير والشرّ".  إلا ّ أن الإنسان نسيَ ما أوصيتَه به وتجاوب مع إبليس، الحيّة القديمة، وإله هذا الدّهر، الّذي أعمى بصيرته بهمسة صغيرة كاذبة، وبخدعة مدبّرة ماكرة، فخسر الشركة معك وما يرافقها من بركات.  فاحترس منه يا أخي في الرّبّ، ويا رفيقي في الحياة، لأنّه كأسد زائر، يبحث دائماً عمّن يبتلعه، ليحرمه من السّعادة الّتي حُرِم منها هو بسبب تمرّده وعصيانه على ربّه وإلهه.  سقط آدم وحوّاء في شَرَكه، فوقعا كلاهما في العصيان والخطيئة، ممّا أغضب الرّبّ، فطردهما من فردوسه، الأمر الّذي جلب علينا الخِزيَ والخطيئة.

ولكنّك عُدتَ، يا إلهي الغالي ويا سيّدي، بحبّك الكبير وبقلبك الرّحيم، لتشفع بالإنسان ولتبحث عنه: آدم، آدم أين أنتَ؟ ارجع إليَّ!  وعلى الرّغم من كلّ آلامك، لم توصِدْ أبواب الرّجاء أمامه، لأنّك عطوف، ورؤوف، ومتسامح، وتتعامل معه بحبّ وحنان وعلى الرّغم من كلّ شروره ومعاصيه.  وشعبك قد عرفَ معاملاتك الطيّبة معه في العهد القديم، وقبل أن تأتي من عليائك وتدوس قدماكَ الطّاهرة أرضه لتتألّم وتخلّصه.  ونحن بدورنا قد عرفنا محبّتكَ هذه أيضاً.

ألمْ تأتِ إلى أرضنا منذ ألفَي سنة لتموت عن الخاطي وتغفر ذنوبه وتنساها؟

ألمْ تُشفِقْ على مجنون "كورة الجدريّين"، وتُخرِج منه الشياطين؟  ألمْ تتحنّن على أرملة "نايين"، وتقيم لها ابنها من الموت؟  ألمْ تُشبِع آلاف النّاس من رغيفَين وبضع سمكات؟ 

كمْ مِنَ العجائب صنعتَ يا سيّدي، حتى إنّنا لو أردنا كتابتها كلّها "لما اتّسعت لها كلّ كتب العالم"! . . . 

وبكيتَ على موت "لِعازر".  فسالت دمعتكَ الحبيبة، الّتي تهزّ المشاعر وتشقّ أثلاماً في الفؤاد؛ وأنتَ صخرة الأزل وخوذة الخلاص!  فبدوتَ نبعَ سرورٍ ونهر محبّةٍ، وبحراً واسعاً من العطاء، وكنزاً زاخراً من الرّجاء.

وبكيتَ أيضاً على أورشليم، عندما قلتَ لها: "يا قاتلةَ الأنبياءِ وراجِمَةَ المُرسَلينَ إليكِ، كمْ مرّةٍ أرَدتُ أن أجمَعَ أولادَكِ كما تجمَعُ الدّجاجة فِراخها تحتَ جناحَيها"،  أمّا هي فلمْ تقبل.

وبكيتَ يا إلهي، فأضرمتَ جذوة النّار في قلوبنا، وأكبادنا، وحنايا أضلعنا.  نعم، لقد بكيتَ، أنتَ الّذي تأمر السّحُب وتسيّرها أمطاراً تسقط على الأرض، وتُعطي الثلج كالصّوف، وتُذري الصّقيع كالرّماد.  أنتَ الّذي إنْ تبصركَ المياه تفزع، واللُّجَج ترتعد.  أنتَ يا ربّ الجنود القائل: كما قَصَدتُ يصير، كما نَوَيتُ يثبت، وإذا قَضَيتُ فمَنْ يُبطِل، وإذا مَدَدتُ يدي فمَنْ يردُّها.

في الواقع، نحن مَنْ يجب أن يبكي ويتأوّه وينوح، ويطلب الصّفح والغفران على ما فعله بك، وعلى ما حمّلك من أثقال ومتاعب وخطايا أوصلتْكَ إلى الصّليب، إلى الجلجثة بعد التّنكيل والتّعذيب .  نحن الّذين لُمنا يهوذا حين أسلمكَ بثلاثين من الفضّة، فيما كنّا معه وساعدناه على تسليمكَ، وما زلنا إلى اليوم، وإلى هذه السّاعة، نسلّمكَ كلّ يوم إلى الجلْد والصّلْب بسبب عدم أمانتنا وصِدقنا.  ومع كلّ هذا، فأنتَ تصفح، وبصوتٍ مدوٍ وكأنّه الرّعد الصّاعق، تُقيمنا من موت خطايانا منادياً كلّ واحد كما ناديتَ لِعازر: "لكَ أقولُ قُمْ".  وهذا ما حصل، قامَ لِعازر.  وكذلك الأمر، عندما نادَيتني قمتُ أنا وجثوتُ أمام قدمَيكَ الحبيبتَين، باكيةً، وطالبةً الصّفح والغفران.  ولكنْ يا سيّدي، شتّان ما بين دمعتي ودمعتكَ!  فدمعتي دمعة إنسان بائس وفانٍ، ودمعتك دمعة خالق وإله مُحبّ.

فلكَ يا إلهي، من كلّ القلب، الحبّ الّذي لا ينضب، والخضوع الّذي لا ينتهي، والشّكر الّذي لا ينقطع.

AddToAny