دور البيت المسيحيّ في تربية الأولاد

العدد:
السنة:

يُشدّد الكتاب المقدّس كثيرًا على أهميّة البيت والعائلة في تربية الأولاد، من دون أن يُقلّل من أهميّة الكنيسة والمدرسة. لكنّه يخصّ البيت بالدّور الأكبر؛ فالأولاد هم مسؤوليّة الأهل أمام الله بالدّرجة الأولى. ويُخطئ الأهل كثيرًا إذا اتّكلوا، في تربية أولادهم، على المدرسة أو الكنيسة فقط؛ فالمتطلّبات والضّغوطات والمؤثّرات الكثيرة، في عصرنا هذا، يجب أن تدفع الأهل إلى القيام بكلّ واجباتهم، إضافة إلى التّأكّد من جوّ المدرسة والكنيسة ومساعدتهما.

يُركّز الكتاب المقدّس، بشكل قويّ، على البيت المسيحيّ في تنشئة الأولاد، لأنّ ما يأخذه الولد في البيت لا يأخذه في أيّ مكان آخر؛ فالمنزل يؤمّن جوًّا طبيعيًّا وعفويًّا. والعائلة هي مجموعة صغيرة من النّاس، من كلّ الأعمار، يعيش أفرادها ويأكلون ويلعبون ويُسافرون معًا، وينامون تحت سقف واحد. ولا مثيل لهذا الجوّ في أيّ مكان آخر. طبيعة البيت هذه، نجدها في الإصحاح السّادس من سفر التّثنية، حيث يُدرِّب موسى شعب الرّبّ على حياتهم البيتيّة؛ فيُكلّمهم أوّلاً على علاقتهم بالله، وثانيًا على تعليمهم كلمة الله لأولادهم، وكيف ومتى وماذا يفعلون: "ولْتَكُن هذه الكَلِمات الّتي أنا أُوصيكَ بها اليَوم على قَلْبِك، وقُصَّها على أولادِك، وتَكَلَّم بها حينَ تَجْلِس في بَيتِك، وحينَ تَمْشي في الطَّريق، وحينَ تَنام وحينَ تَقوم" (تثنية 6: 6-7).

من هذا المقطع، نستنتج ثلاثة أمور على الأقلّ:

أوّلاً: التّربية الرّوحيّة الصّحيحة للأولاد تحتاج إلى أكثر من معلومات عامّة في الذّهن.

إنّ كلمة الله تترك الأثر المطلوب في حياة الأولاد، عندما تسكن بِغِنًى أوّلاً في حياة الأهل؛ فمجرّد تعليم العقيدة للأولاد ليس كافيًا. إنّ أهمّ ما يُعلّمه الأهل لأولادهم عن الله هو ما يُظهرونه في حياتهم اليوميّة أمامهم؛ فالأهل الّذين يُحبّون الله، من كلّ قلبهم ونفسهم وفكرهم، يصيرون أمثلة ظاهرة للحقّ المسيحيّ والحياة المسيحيّة الحقيقيّة.

ثانيًا: التّربية البنّاءة والهادفة تحتاج إلى أكثر من فترة محدّدة لممارسة التّعليم.

يجب أن يستفيد الأهل من مناسبات طبيعيّة عديدة ليُعلّموا أولادهم. مثلاً، عندما يجلسون إلى طاولة الطّعام، أو يتنزّهون، أو يضعون أولادهم في الفراش، أو في ظروف حياتيّة أخرى. من غير المُفيد أن يكون تعليم الأهل للأولاد دائمًا في جلسات رسميّة، أو عندما يُخطئون. باختصار، يجب أن يحصل الأمر عفويًّا وطبيعيًّا.

 

ثالثًا: يجب أن تُسيطر كلمة الله على جوّ البيت بأكمله.

يجب أن يكون المسيح محور كلّ نشاط، أكان نقاشًا مهمًّا، أم تسلية، أم لهوًا. إنّ أهمّ الفرص، بين الأهل والأولاد، لتعليم الحقائق والمواقف المسيحيّة، هي تلك الّتي تُسنح لهم في البيت، وليس في المدرسة أو الكنيسة؛ فالأهل، كما الأولاد، يتصرّفون على طبيعتهم في البيت فقط. إذًا، المنزل هو المكان الأفضل للأهل لإظهار المَثَل الإيجابيّ الحيّ أمام أولادهم؛ لأنّ البيت المسيحيّ هو رسالة في حدّ ذاتها.

هناك بعض الأسئلة الّتي تُواجه الأهل المؤمنين والجدّيّين في تربية أولادهم، منها: كيف يجب أن نعيش أو نسلك في البيت؟ كيف نحيا أمام أولادنا؟ هل نعيش بوجهَين: وجه أمام النّاس ووجه آخر في البيت؟ هل يرى فينا أولادنا مثالاً صالِحًا يقتدون به؟

يمكننا الآن تصحيح مسار تربية الأولاد قبل ضياع الفرصة، فهم أمانة إلهيّة في أعناقنا، ولا يجوز التّفريط بها.