دوَّامة الفراغ

الكاتب:
العدد:
السنة:

يسعى كلٌّ منا باستمرار نحو الأفضل ويشتهي دوماً ما هو أكثر. فالإنسان لا يشبع ولا يرضى، والعالم يُقَدِّم في كلِّ يوم للنَّاس، بإبداعٍ متقن، ما يشتهونه ويرغبون به. ويحرص العالم، كذلك، على أن يُرفِّه عن النَّاس الجاهدين في سعيهم المتواصل هذا، لكنه ينتزع منهم في المقابل أي أمل في الفرح والسَّلام الحقيقيين. ومخيفٌ ما يُحَلَّل ويُسمَح به، وما يتَغَاضَى عنه البعض وينساه من مبادئ مسيحية ثمينة وتعاليم في خِضم ذاك السَّعي العالمي والدُّنيوي الخطير.

وما حياة الرَّسول بولس الأكثر نشاطًا في هذا العالم، سوى عبارة عن كمٍّ ضخم من التَّضحيات والصِّعاب التي لم يسعَ إلى وضع حدّ لها أو إلى التَّخفيف منها، بل عَمِلَ بصدق على الانتصار معها بواسطة الاكتفاء، "فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِيًا بِمَا أَنَا فِيهِ." (في11:4). والَّذي أوصى بالاكتفاء علَّم أيضًا أنَّ محبَّة المال وما يشتريه المال ليست بالأمر البسيط بل انها أصلٌ لكل الشُّرور. وكثيرًا ما تنتُج طلبات البشر عن طمع أو شّك أو خوف أو سّلوك بالجسد أو عن الأنانيَّة والجوع والعطش إلى العالم ومغرياته. الرَّبُّ عِندَ كلمته، ويده قادرة على صنع أي شيء، لكن ألَيسَت المسيحيَّة كناية عن تسليم لمشيئته، لأن كل ما يحصل إنما يحصل بسماح منه؟ ألَيسَ الإيمان هو القبول بما قسَمَه الله لنا، والتَّسليم لعنايته بفرح ومن دون تذمُّر؟

قد تمتلئ حياة الإنسان أحيانًا بالعمل وبطلب الكثير من الأمور؛ أما الله فيعمل دائمًا، وليس أحيانًا، ليشدّنا أكثر من صوبه. فالمسيحيَّة ليست طريقاً نبلغ فيها الله بغية تلبية كل حاجاتنا، وإنما هي وصول الله إلينا بشخصه. فهو الَّذي يُشبعنا لتكفينا نعمته حتَّى في ضعفِنا. وقَدَّمَ جيريميا بوروه، في ختام كتابه الرَّائع عن هذا الموضوع، نصائح أخيرة حول كيفيَّة بلوغ الاكتفاء، وأوَّلها أن "كل القوانين والمساعدات في العالم لن تعود بالفائدة الكبيرة إلَّا إذا تمتَّعنا بمزاج جيِّد في داخل قلوبنا. إذ لا يستطيع المرء أن يقود السفينة باستقامة عبر إسنادها من الخارج، بل يجب أن يوازنها الثِقل الذي في داخلها. وهكذا هي حالنا كبشر، حيث لا يستطيع شيء خارج عنَّا أن يُحافظ على استقامة قلوبنا وانتظامها، اللهمّ إلا ما في داخلنا: "النِّعمة في النَّفس تفعل ذلك." فالطَّمع هو من أمراض هذا العالم وبوابة الدخول في رحلة الفراغ الطويلة.