رجل واحد يواجه العالم

العدد:
السنة:

هزّت الكنيسة المسيحيّة في القرن الرّابع للميلاد هرطقة أنكرت لاهوت المسيح ونالت دعم عدد كبير من رجال الكنيسة يومها، وهي الآريوسيّة. إلاّ أنّ رجلاً واحدًا وقف معارضًا لهذه الهرطقة ومدافعًا لا يُقهر عن المسيح. إنّه "أثناسيوس". وفيما يلي، قصّة وقفته الباسلة والشّجاعة في وجه "آريوس".

قال كاتب التّرانيم المشهور "جون نيوتن": "ما تظنّه في المسيح يحدّد طريقة حياتك وأبديّتك؛ لن تنجح في كلّ ما تفعله إلاّ إذا فكّرت فيه بطريقة سليمة". لم تكن الحاجة إلى فكر سليم حول المسيح بادية للعيان، كما في الفترة الّتي تلت منح الامبراطور قسطنطين الحرّيّة الدّينيّة للكنيسة المسيحيّة. فبعد سنوات من الدّفاع عن الإيمان المسيحيّ من أعداء خارجيّين، واجهت عقيدة شخص المسيح هجمات من داخل الكنيسة. أخطر هذه الهجمات جاءت على يد "آريوس"، أحد شيوخ كنيسة الاسكندريّة.

لقد أنكر "آريوس" عقيدة لاهوت المسيح، وقال إنّ الابن ليس معادلاً للآب بل هو مخلوق. وعلى الرّغم من أنّ تعليمه هذا كان ضدّ ما آمن به المسيحيّون لسنوات، إلاّ أنّه جذب وراءه العديد من الأتباع بسبب براعته في الجدال والمناظرة وقوّة إقناعه وشخصيّته السّاحرة. وبهدف تعميم أفكاره، كتب ترنيمة موضوعها: "في وقت ما، لم يكن الابن موجودًا". وسرعان ما بدت علامات انتشار الآريوسيّة في الامبراطوريّة الرّومانيّة، وتعرّض الإنجيل للخطر الشّديد. لكنّ الله أقام، في وسط الظّلام، رجلاً اسمه "أثناسيوس" ليدافع عن المسيح وكلمته.

كان "أثناسيوس"، شمّاسًا في كنيسة الاسكندريّة، وكان رجل علم ومعرفة كما رجل عزم وعمل. لقد رفض "أثناسيوس" هرطقة "آريوس"، فبدأ الدّفاع عن الإيمان بثبات وشجاعة ومن دون مساومة، على الرّغم من مواجهة الآريوسيّين وبعض رجال الكنيسة والدّولة له. وفي حين أنّ سير الأمور كان يُشير إلى انتصار الآريوسيّة، إلاّ أنّ "أثناسيوس" لم يضعف ولم يتوان. في ذلك الوقت، قليلون هم الّذين كانوا على استعداد لدفع ثمن وقوفهم إلى جانب "أثناسيوس"، حتّى أنّ الشّعب تحدّث عن معركته قائلاً: "أثناسيوس في وجه العالم".

أمّا نقطة التحوّل فجاءت عندما دعا الامبراطور "قسطنطين" إلى عقد مجمع عامّ في "نيقية" في العام 325م، حيث دارت مناظرة عنيفة بين "أثناسيوس" من جهة، و"آريوس" من جهة أخرى. أمّا حجج هذا الأخير فكانت من دون جدوى مقارنة بما قدّمه "أثناسيوس" من براهين وأدلّة على ألوهيّة المسيح، الّذي إن لم يكن إلهًا وإنسانًا في الوقت نفسه، لا يمكنه أن يكون مُخلّصًا. وفي النهاية وقف 316 أسقفًا من أصل 318 مع الحقّ ومع "أثناسيوس"، وأعلن المجمع رسميًّا أنّ عقيدة "آريوس" هي هرطقة مضادّة للإيمان المسيحيّ.

وهكذا، تمّ تدوين "قانون الإيمان النّيقاويّ" كشهادة لألوهيّة يسوع المسيح. من المهمّ ذكره أنّ أساقفة القرن الرّابع لم يخترعوا هذه العقيدة، لكنّهم أكّدوا تعليم الكتاب المقدّس، وهذا ما نحتاج إليه في أيّامنا هذه. ففي العصر الّذي تحوم فيه هرطقات كثيرة حول المسيح، لا يكفي أن نقول إنّنا نُحبّ المسيح ونؤمن به. كثيرون هم الّذين يدّعون اتّباعهم للمسيح وهم يتبعون مسيحًا آخر من صنعهم. علينا، كمؤمنين، أن نؤمن بالمسيح كما تقدّمه لنا الأسفار المقدّسة، وأن نؤكّد مع "أثناسيوس" ومجمع "نيقية" أنّ يسوع المسيح هو: "ابن الله الوحيد، مولود قبل كلّ الدّهور، إله من إله، نور من نور، إله حقّ من إله حقّ، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر".

 

عن مجلّة:

Let the Bible Speak

AddToAny