رحمةٌ لا ذبيحة

العدد:
السنة:

عاشت حياةً ملوّثة بالخطايا وفتّشت عن الحبّ والسّعادة في المكان الخطأ. ضُبِطت وهي تزني مرارًا وتكرارًا. تجمّع رجال الدّين حولها وتكاثرت الأصابع التي تشير إليها، امتلأت الأيادي بالحجارة وتعالت الأصوات الّتي تُطالِب بِرَجمِها. أمّا يسوع فالتفت إليهم قائلاً: "من كان منكم بلا خطيّة فليرمها أوّلاً بحجر".

في زمنٍ شدّد فيه الكتبة والفرّيسيّون على التّديّن المزيّف وتقديم الذّبائح، أراد يسوع أن يذكّرهم بأنّه يريد "رحمةً لا ذبيحةً" (مت 12: 7). عرف أنّهم أتوا إليه بالمرأة الزّانية ليحرجوه، إمّا لإبراز عدم رحمته وذلك بالسّماح لهم بقتلها وإمّا لحمله على نقض النّاموس بالتغاضي عن جرمها. فهي، بحسب ناموس موسى، يجب أن تُرجَم. أمّا هو فرحمها ولم يدِنها بل أوصاها بألاّ تُخطئ فيما بعد.

يكره يسوع الخطيّة إلاّ أنّه يحبّ الخطاة. وقد تجلّت رحمته ومحبّته لهم على الصّليب حيث قدّم نفسه ذبيحةً عنهم ليغسلهم من خطاياهم بدمه ويطهّر لنفسه شعبًا مقدّسًا غيورًا على القيام بالأعمال الصالحة. وقد أظهر رحمته أيضًا بشفائه امرأةً منحنية في يوم سبت. وينص الناموس على أنه يجوز للمرء أن يعمل طيلة أيّام الأسبوع ما عدا السّبت. لكنه بعدما رآها في المجمع وهي عاجزة كلّياً عن الانتصاب حلّها على الفور من ضعفه الذي عانت منه طوال ثماني عشرة سنة. اغتاظ رئّيس المجمع كثيراً مما لحق بالناموس من انتهاك. أمّا يسوع فدانه بالمراءاة لأنّه يعلم جيّدًا بأنّهم، كيهود، يحلّون حمارهم أو ثورهم نهار السّبت ويأخذونه ليسقوه. فكم بالحرّي أن تُحلّ ابنة ابراهيم هذه من ضعفها؟

لم ينقض يسوع النّاموس حين شفى المرأة المنحنية، بل أراد أن يُظهر لليهود بأنّه ربّ السّبت وأنّ أعمال الرّحمة يجب أن تمارَس طيلة أيّام الأسبوع. لم يتحسّس رئّيس المجمع ألم هذه المرأة ولم يضع نفسه مكانها. فلو كان هو نفسه المـُصاب لقَبِل الشّفاء يوم السّبت وتغاضى عن النّاموس. أمّا بالنّسبة للمرأة الزّانية، فلم يبرّر يسوع خطيئتها ولم يُشرّعها. فهو القدّوس الّذي عيناه أطهر من أن تنظرا الشّرّ، وهو مَن دان الخطيّة في جسده على الصّليب. وإنّما أراد من كلّ واحد ان يشير بإصبعه إلى ذاته قبل توجيهه إلى المرأة، لأنه ما من أحدٍ بلا خطيّة.           

ويكثر اليوم  تمسّكنا بالنّاموس فنفتقد إلى الرّحمة الّتي "تفتخر على الحكم" (يعقوب 2: 13). ونحكم على الآخرين ونتوجّه إليهم بأصابع اللّوم من دون أن نعرف الأسباب الّتي دفعتهم إلى اعتماد خيارٍ ما أو إلى التّصرّف بطريقة معيّنة. ولا نسألهم أن يبرّروا أقوالهم أو تصرّفاتهم بل نُسارِع إلى إصدار الأحكام عليهم. وقد تكون ردّة فعلنا تجاههم خاطئة بقدر الخطأ الّذي ارتكبوه أو ربّما أسوأ منه فنُصبِح نحن بالتّالي المذنبين أمام الله.

AddToAny