رسالةٌ إلى ملاك الموت

الموضوع:
العدد:
السنة:

سمعتُ عنك الكثير ورأيتُك هنا وهناك لكنني لم أفكّر يومًا بأنّي سألتقي بك عن قريب وأتعرّف إليك عن كثب. وكم تساءلت عن هدف هذه الزّيارة! أظهرتَ نفسك لي مكسوًّا بالحزن والألم وأنت تجول من حولي. شعرتُ بوقع أقدامك كالنّار على بشرتي، وأطفأ ظلُّك النّورَ في عينيّ. وإذا بك تقرّر فجأةً الهجوم عليّ بصمت. ولا عجب، وأنت بالتّأكيد رمز الخيانة الدائمة. دوّى صمتكٍ جدًّا، وولج إلى رأسي صارخاً بطريقة مشوّشة ولم أستطع إيقافه. كيف تجرّأتَ على الدّخول من دون أن تطرق بابي؟ يا لك من زائرٍ وقح! ألا تعلم بأنّك سلبت منّي أخي؟ وهو لا يزال في ربيع شبابه! فالغضب الشّديد الّذي ملأ قلبي والحزن والقلق والخوف والشّعور بالعجز، وهو ما أعجز عن تلخيصه بكلماتٍ قليلة، هذه كلّها قد أفنت حياتي بالكامل ودمّرت عالمي. هل أنّك أردتني أن أنكر مسيحي؟ مستحيل! أتريدني أن أغضب؟ على من ألقي الملامة؟ أتريدني أن أعقد صفقة؟ أنا مستعدّة لأيّ شيء إذا استطاع أحدٌ إيقاف رحيل أخي. فأنت تقيّد نفسه ونفسي.

اصبحتُ في داخلي أشبه بقاربٍ صغيرٍ محطّم تتلاعب به عاصفة هَوجاء مفاجئة وتقلبه الرّياح، بطرفة عين، رأسًا على وسط الأمواج العالية جدًّا. أخذتُ بالتّأكيد أغرق في بحرٍ كبيرٍ من أسئلةٍ لا تجد أية أجوبة عليها. وأخذت عيناي تغلقان بيأس شديد إلى أن لاح أمامي فجأة سيفُ روح الرّبّ فنظرت إلى الأعالي وصرخت بصوت قويّ جدًّا: خلّصني يا ربّ! فأجابني: "ما بالك خائفة يا قليلة الإيمان؟" ثمّ قام وانتهر الرّيح والبحر فصار هدوءٌ عظيم (مت 8: 26). واتضح في تلك اللّحظة  كلّ شيء.

لا تفخرْ بإنجازك يا ملاك الموت. ربّما تشعر لبرهةٍ بأنّك انتصرت، لكنه لم يعد بإمكانك التفاخر بقوّتك. فلو لم يُسمَح لك بذلك لم تأتِ. ومن سمح لك بأن تفتح باب السّماء والجحيم هو الله القدير الذي أوجدنا بكلمة. فالله يُعطي والله يأخذ. وإذا سمح لك الله بالقيام بأمر سيّئ ومؤلم كهذا فأنت في النّهاية تتمّم قصده الإلهي.         

يسمح الله أحيانًا بأنّ تعصف بأولاده تجاربُ الحياة بما يفوق قدرتهم على التّحمّل، ليس لامتحان إيمانهم ومحبّتهم له، وهو العليمُ بكلّ شيء، بل ليقرّروا هل أنهم يريدون حقًّا الانتماء إليه. والتّجارب هي التي تكشف من هم المؤمنون الحقيقيّون في المسيح. كما قال سي. أس. لويس: "لقد عَلِمَ دائمًا بأنّ هيكلي كان منزلاً من ورق لا أساس له. وكانت طريقته الوحيدة في جعلي أُدرِك هذا الواقع هي بتدميره".

لم أستطع في البداية أن أستوعب الأمر. ونسيت بأنّه "إن كنّا نؤمن أنّ يسوع مات وقام، فكذلك الرّاقدون بيسوع، سيُحضرهم الله أيضًا معه" (ا تس 4: 14). جعلني رحيل أخي أخضع للحزن وابتعدتُ عن الله. وما فعلتُه كان خطأً كبيرًا! توجّب عليّ أن أتعلّم بأنّ الطّريق إلى النّصرة تكمن فقط في شخص الرّبّ يسوع المسيح مخلّصي.

كُفَّ يا ملاك الموت عن خداع نفسك لأنّني أستطيع مواجهتك، ليس بقدرتي البشريّة وإنّما بقدرة إلهيّة من فوق. وها قد اتضح لي هدفك. يا للسّخرية!!! فأنت انتهيت إلى خدمة الرّبّ. وأفظع ما يمكنك القيام به سيَخدمني ويكون ربحًا لي. كما قال الرسول بولس: "لأنّ لي الحياة هي المسيح والموت هو ربحٌ". والسّلام الّذي تمتّع به حتّى النّهاية لا يمكن ان يأتي إلا من الله الذي علّمني بأنّ هذا السّلام هو لكلّ من يؤمن بعمل المسيح الكامل على الصّليب. ووحدهم الّذين يجاهدون للبقاء في السّباق لأجل ملكوت المسيح سيجدون أنفسهم يعانون من الحزن والتّجارب، ولكن ألَمهم لا يُقارن بالثّمن الّذي دفعه المسيح عنهم ليعطيهم الحياة الأبديّة.

لن أشكّ أبدًا في إيماني ولن يقدر حتّى مخاض الموت على أن يسرق منّي فرح المسيح لأنّ الله يعرف مخاوفي وسيكون لي كلّ ما أحتاجه. فإن أتيتَ يا ملاك الموت مجدّدًا وقرعتَ بابي لن أتردّد في الجواب لكنّني سأحتفظ بموقعي في المعركة.