رومانوس: شهيدٌ للمسيح

العدد:
السنة:

"لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ." (فيلبي 1: 21).

وُلِدَ رومانوس حوالى العام 275 لعائلة شريفةٍ في قيصريّة فلسطين. ألمّ بالعلوم، وتدرّج في الكنيسة حتّى أصبح شمّاسًا في كنيسة قيصريّة. بدأت، في عهد الإمبراطور ديوكلتيان، حملةٌ من الاضطهادات والاعتقالات في حقّ المسيحيّين في أنطاكية. اضطربت قلوب بعض الأخوة، وخارت قواهم، وصاروا، من شدّة خوفهم على حياتهم، يجدّفون على المسيح ويوافقون على الذّبح للأوثان. وهو ما حدا برومانوس إلى أن يجول في وسطهم، يوبّخهم على تركهم الرّبّ، ويُشدّد من عزيمتهم، ويُثبّتهم في الإيمان. ولَقِيَ كلامه صدًى في أذهانهم، إذ نُخِسوا في قلوبهم ورجعوا عن ضلالهم وعادوا يُجاهرون بإيمانهم بالمسيح.

أغتاظ الحاكم أسكليبياديس، فأمر جنوده بالقبض عليه. شرعوا في البحث عنه، وإذا به يعترض الحاكم وهو في طريقه إلى الهيكل ليُقدّم الذّبائح للأوثان. وقال له "تخطئ إذ تذهب إلى الأصنام. فالأصنام ليست آلهة. وحده المسيح هو الإله الحقيقيّ". وهمس واحدٌ من الجنود في أذن الحاكم بأنّ هذا هو المتّهم بِتَحريض المسيحيّين على العصيان والتّمرّد على المملكة، فأمر بإحالته إلى المحكمة. واعترف رومانوس في المحكمة بكلّ جهارةٍ بأنّه شجّع المؤمنين على البقاء أوفياء لمخلّصهم، وبأنّه طلب منهم الكفّ عن تقديم البخور للأوثان، وبأنّه مستعدٌّ لأن يستشهد في سبيل المسيح. وتمسّك، على رغم كلّ الإدانات والإتّهامات الّتي واجهها، بجوابه الحازم بأنّه "ينبغي أن يُطاع الله أكثر من النّاس". ازداد الحاكم غيظًا، وأمر بجلده بسياطٍ في أطرافها قطعٌ من الرّصاص. ووقف، ودماؤه تسيل، أمام الجميع بصبرٍ يُمجِّد الرّب ّيسوع المسيح، ويقول للحاكم "كم تشتهي نفسي أن تستنيرَ أنت وملِكُك بنور المسيح!". دُهش الجميع لشجاعته وجرأته، لكنّ تصريحه زاد في غضب الحاكم، فأمر بسلخ خاصرتيه وتهشيم صدره حتّى ظهرت أحشاؤه للعيان.

لم يكفّ رومانوس عن الشّهادة للمسيح قائلاً: "ليس الصّنم شيئًا، والوثنيّة حماقةٌ. المسيح هو ربّ المجد. واضطهاد ديوكلتيان للمسيحيّين ظلمٌ واستبداد". عندها انتفض الحاكم واعتبر كلامه تجديفًا على الإمبراطور، وطلب تمزيق خدّيه بالحجارة  ما دفع برومانوس إلى شكره قائلاً "أشكرك على أنّك أوليتني أفواهًا كثيرةً أُشيد بها بمديح ربّي وإلهي". ثمّ التفت من حوله وشاهد بين الجموع ولدًا في السّابعة من عمره اسمه "بارولاس" ممسكًا بيد أمّه. فقال للحاكم "هذا الولد يفهم أكثر منك لأنّه يعرف الإله الحقيقيّ وأنت تعبد مجرّد أصنام. سَلهُ فيجيبك". فأمر بأن يُؤتى بالولد وسأله "قل لي يا ولد هل هناك إلهٌ واحدٌ أم آلهةٌ متعدّدة، ولِمَن تَحِقّ العبادة؟" أجابه "هناك إلهٌ واحدٌ خالق السّماء والأرض له وحده تَحِقّ العبادة". فسأله إن كان مسيحيًّا فأجاب "نعم أنا مسيحيّ وأؤمن بالرّبّ يسوع المسيح". غضب الحاكم من والدته ووبّخها على سوء تربيتها له، ما دفعها إلى أن تخرج عن صمتها وتُثني على ولدها وتشجّعه. عندها أمر الحاكم بجلد الولد وقطع عنقه.

وصَدَرَ بعدها أمرٌ بحرق رومانوس حيًّا. فعُلِّق على الخشبة وما إن أُضرِمَت النّيران حتى هبّت عاصفةٌ شديدةٌ وبدأ المطر يتساقط بغزارة ونجا بأعجوبة. فأمر الحاكم بقطع لسانه، لكنّه لم يكُفّ عن تمجيد الله ودعوة الكثيرين إلى محبّتة وخدمته. وكثيرون ممّن سمعوا شهادته آمنوا بالإله الحقيقيّ. ولكنّ غضب الحاكم لم يهدأ إلى أن وضعه في السّجن، حيث رُبِطَت رجلاه بشدّة وكانتا متباعدتين عن بعضهما البعض. تعذّب رومانوس لمدّة طويلة إلى أن صدر حكمٌ بخنقه، فاستشهد في سجنه نحو سنة 303. وهكذا انضمّ إلى قافلة الشّهداء الّذين لم يكن العالم مستحقًّا لهم.

AddToAny