ريشارد وُرْمْبراند: السجين رقم 1

الكاتب:
العدد:
السنة:

افتُرض في يوم الأحد 29 شباط عام 1948 أن يذهب القسيس ريتشارد وُرْمْبراند (وهو راعي كنيسة في رومانيا) إلى كنيسته إلا أنه لم يصل إليها. اختفى لمدة ثماني سنوات ونصف وعائلته لم تعرف عنه شيئاً، وهل إنه ميت أو على قيد الحياة.

أكّد أحد السجناء لزوجته سابرينا ورمبراند أنّه شاهد مراسم دفن زوجها في إحدى السّجون الشّيوعيّة. يومها تحطّم قلب سابرينا لكّنها شكّكت بكلامه اعتقاداً منها أنه ربّما كان جاسوسًا للحكومة.

كان اختفاء ورمبراند متوقّعاً. فمصير أي إنسان يقف ضد نظام الحكم محتم.

سبق للحكم الشيوعي أن دعا إلى تجمّع لمندوبي الطّوائف حيث طُلب الى كافّة المندوبين أن يقسموا يمين الولاء للنّظام الجديد. وطلبت سابرينا من زوجها "أن يمسح العار عن وجه المسيح". وردّ ريتشارد بأن الثّمن سيكون اختفاؤه وبأنّها ستفقد زوجها. لكنّ ردّها جاء حاسمًا: فهي لا تريد زوجًا جبانا. وهكذا وقف ريتشارد أمام 4000 مندوب و طلب منهم كمسيحيين أن يقدّموا المجد لله وللمسيح وحده.

رجع ورمبراند الى بيته، واستلم رعاية كنيسة سريّة وشجّع على نشر البشارة وسط غزو روسيا لرومانيا، وعمل على تهريب الكتب المقدّسة الى داخل روسيا.

وفي ذلك اليوم، وفيما ريتشارد ينطلق نحو الكنيسة، توقّفت بجانبه سيارة للشّرطة السرّية ترجّل منها أربعة رجال ودفعوه عنوة إلى داخلها وانطلقت بعيدًا. توجّهوا به أوّلا الى مركز قيادتهم ليُسجَن من ثمّ في مُعتقل تابع لخليّة عسكريّة حيث صنّف تحت اسم "السّجين رقم واحد".

تعرّض، طوال سنواته في السّجن، وبشكل متواصل إلى أبشع انواع العذاب وإلى غسل الدّماغ حيث كُررت على مسامعه، لمدة سبعة عشر ساعة يوميًا، العبارة التالية :"عظيمة هي الشَيوعية وحقيرة هي المسيحية، تخلَّ عنها، تخلَّ عنها..." كما نُحِتَ جسده بعشرات الجروح والحروق. وقال ريتشارد لاحقاً يومًا عن تلك الفترة: "أفضّل ألاّ أتكّلم أبدًا عن التعذيب الذّي خضعت له. أحسّ عندما أتذكره أشعر بشعور مؤلم". وأدّى تعرّضه للضرب على أيدي سجانيه إلى إصابته بعدد من الكسور وبخاصةً في عموده الفقري من جرّاء تعرضه للضرب. نجا من الموت بأعجوبة بينما استشهد آخرون.

أُطلق ورمبراند في 1956 بعدما أمضى ثمانية أعوام ونصف في السجن. وكانت سابرينا قد تعرضت هي الأخرى، وعلى مدى ثلاثة أعوام، للتعذيب في السّجون. أمّا ابن ريتشارد فعاش منذ بلوغه التاسعة تلك الفترة أشبه باليتيم.

انخرط الزوجان بعد إخلاء سبيلهما في العمل الكنسي السري، فأعيدا الى السّجن و لم يخرجا منه حتّى 1964.

وفي 1965 افتدتهما الكنائس الغربيّة بعشرة آلاف دولار وأُخرجا من رومانيا.

وتحدّثا، فور خروجهما من السّجون، عن أولئك الذّين تعرّضوا للعذاب على أيدي النّظام الشّيوعي. وطُلب الى ريتشارد أن يشهد أمام مجلس الشّيوخ الأميركي حيث أبدى للعيان الجروح و الثّقوب التي حفرها التعذيب في جسده.

وفي 1967، أسّس "السّجين رقم واحد" اتّحاد الإرساليّات الذي عُرف باسم "صوت الشّهداء"، بهدف مساعدة الذين تعرّضوا للعذاب من أجل المسيح حول العالم.

واجه ريتشارد وسابرينا السّجون و المحاكم و العذاب بقوّة الحب. وكتب ريتشارد: "إذا أحببت المسيح كما احبّته العذراء مريم، وإذا احببت المسيح كما تحب العروس عريسها، فستستطيع عندها أن تواجه هذا النوع من القهر والعذاب. ولن يحاكمنا الله على ما عانيناه وتحمّلناه بل على ما قدّمناه من حب. وأنا شاهد على ما قدّمه المسيحيّون من محبّة في السّجون الشّيوعيّة، فقد أحبّوا الله والنّاس."