زواج المؤمن من غير المؤمن

العدد:
السنة:

تُرى من سأتزوّج؟

سؤال صعب يمرّ بذهن كلّ شابّ وفتاة.  والمؤمن ككلّ شابّ يصل إلى هذه المرحلة من حياته ، يتساءل، يفتّش، يفكّر، يُغرَم، وأخيراً يختار.  فهل خياره صائب أمْ لا؟!

طبعاً، هناك أمور عديدة يجب أن يبحث عنها الشابّ (أو الفتاة) في شريك الحياة، لكنّ الإيمان يجب أن يكون على رأس المطالب.  نعم أوّلاً، لا بدّ من التّنبيه إلى أنّ الإيمان ليس العنصر الوحيد الّذي يكفل نجاح الزّواج، لكنّه البداية الصّحيحة، والإطار الصّحيح الّذي يجب أن يحدّد خياراتنا.  لذا، كقاعدة أساسيّة، نقول للشّبيبة: لا تواعِدوا(dating) أشخاصاً غير مؤمنين لئلاّ تضعوا أنفسكم في تجربة أقوى منكم.  يقول بولس الرّسول "الجسَد يَشتَهي ضِدَّ الرّوحِ والرّوحُ ضِدَّ الجسَدِ، وهَذانِ يُقاوِمُ أحَدُهُما الآخَرَ، حتّى تَفعَلونَ ما لا تُريدونَ" (غل 5: 17).  ليس مِن قويٍّ أمام الحبّ والغرام، وكم من قويٍّ سَقَط في هذه التّجربة وندِم بعد أن أصبح النّدم بلا فائدة!  "لأنَّكم قَد اشتُريتُم بِثَمنٍ. فمَجِّدوا الله في أَجسادِكُم وفي أرواحِكُم الّتي هي لله" (1 كو 20:6).

عندما تفكّر بالزّواج، يجب أن تسأل نفسك: "هل أستطيع الزّواج بهذا الشّخص بموافقة الرّب؟" في 1 كورنثوس 39:7 قال الرّبّ للأرملة: "أن تتزوّج بمَنْ تريدُ في الرّبّ فقط". وهذا المبدأ ينطبق على الجميع.  لذا، إن كان الجواب على السّؤال "نعم – من حيث المبدأ"، عندها ننتقل إلى البحث عن المواصفات الأخرى لنضمن زواجاً سعيداً، وإن كان "لا"، فيجب أن تتوقّف العلاقة هنا، فوراً.

كثيرون يتغاضون في أيّامنا عن هذا المبدأ ويٍضربون به عرض الحائط، ظانّين في أنفسهم أنّ باستطاعتهم أن يتجاوزوا المشاكل الناجمة بحكمتهم الخاصّة وبقوّة إقناعهم الشّريك غير المؤمن.  كثيرون أيضا يدّعون أنّهم يريدون مشيئة الرّبّ في هذا الأمر، غير أنّهم عندما يرون أنّ إرادته هي عكس إرادتهم، يرفضون الأمر ويتجاهلونه، بل إنّهم يحاولون البحث عن دعم كتابيّ لرأيهم الخاطئ، فيخرجون بتفاسير غريبة لبعض النصوص الكتابيّة تناسب آراءهم.  بل إنّ بعضهم يدّعي أنّ "الرّبّ قد أَرشَدَه" في خياره للزّواج من غير مؤمن!!!

نحن ندرك تماماً أنّ هناك بعض النّصوص الصّعبة في الكتاب المقدّس الّتي تحتاج إلى دراسات عميقة، لكنّ موضوع الزّواج ليس واحداً منها، لأنّه واضح كلّ الوضوح.  "المؤمن حرّ أن يختار في الرّبّ فقط".  هذا هو المبدأ الإلهيّ، وهو واضح في العهدَين القديم والجديد على السّواء.  ومشيئة الرّبّ صالحةٌ لنا، وفي كلّ الأحوال هي لخيرنا.  فالإنسان، وإن انتهى من دون زواج مناسب روحيّاً (وذلك في أسوأ الأحوال)، يبقى ذلك أفضل له، لأنّ المبدأ الإلهيّ هو الأفضل.

قد يعترض القارئ سائِلاً: ما هذه القَسوَة؟  لا! إنّها ليست قَسوَة.  فالله يريد أن يعطي أولاده عطايا صالحة وجيّدة وهو يريد الأفضل لهم.  أمّا أن يمنع الله المؤمن من الزّواج من غير المؤمن فذلك لأسباب عدّة، منها:

أوّلاً: الزّواج من غير المؤمن يُعيق الحياة الرّوحيّة لدى الشّريك المؤمن.  فما مِنْ مؤمن تزوّج بغير مؤمن واستمرّت حياته الرّوحيّة منتعشة طول العمر، إذ يُصبح شريكه مُعاكِساً له في الأمور الرّوحيّة، مُبدِياً عداوة للمسيح وللإنجيل وللكنيسة، ممّا يُسبّب للشّريك المؤمن المرارة والحسرة العميقة.  لذلك يُشدّد بولس الرّسول: "لا تَكونوا تَحتَ نِيرٍ معَ غيرِ المؤمنينَ . . . أيُّ نَصيبٍ للمؤمِنِ معَ غيرِ المؤمنِ؟" (2 كو 6: 14-15).

ثانياً: الزّواج من غير المؤمن لا يقود هذا الأخير إلى المسيح.  مع أنّنا لا نستطيع أن ننفي إمكانيّة أن يختبر الشّريك الإيمان، إلاّ أنّ الشواذ لا يغيّر القاعدة.  يسأل الرّسول بولس: "لأَنّهُ كيفَ تَعلَمينَ أيّتُها المرأةُ، هل تُخَلِّصينَ الرّجلَ؟ أو كيفَ تَعلَمُ أيُّها الرّجُلُ، هل تُخَلِّصُ المرأة؟" (1 كو 7: 16).  فلا ضمان لخلاص الشّريك إطلاقاً، ومن غير الحكمة أن يُغامر المؤمن بحياته من أجل هدف غير مضمون.

الرّبّ أراد في الزواج أن يكون الشّريك "مُعيناً" لشريكه (تك 2: 18).  ففي الزّواج يحتاج الإنسان إلى من يُشاركه حياته، إلى من يحبّه، إلى من يَثِقَ به شخصيّاً، إلى من يستطيع أن يتباحث معه بأموره ويلتذّ برفقته، إلى من يدبّر البيت بحسب الرّبّ، إلى من يربّي الأولاد على الإيمان، إلى من يكون أباً صالحاً أو أمّاً صالحةً لأولاده، إلى من يُعينه في حياته الرّوحيّة.  يحتاج المؤمن إلى شريك حياة يهتمّ بوضعه الرّوحيّ، يصلّي لأجله، يتباحث معه في المواضيع الرّوحيّة وتجارب الحياة، يرشده . . . الخ.  فنظرة المؤمن إلى الحياة والعلاقات الاجتماعيّة، وحتّى التسلية، تختلف كثيراً عن غير المؤمن.  فتصبح المواضيع كلّها موضع خصام ونزاع بين الطّرفين وتنتهي بأن يتنازل المؤمن عن مواقفه في معظم الأحيان، حفاظاً على سلامة البيت من الانقسام.  ناهيك عن الجوّ المشحون الّذي يعيشه الأولاد والضّياع بين نوعين من الحياة.  فتصبح سلامة البيت على حساب الحياة الرّوحيّة والمسيح شخصيّاً!  فقط مع الشريك المؤمن يُتمِّم الزّواج هدفه الأسمى والسّعادة الحقيقيّة للطّرفين.

أتريد السّعادة؟ أتريد زواجا يمجّد الرّبّ؟ أتسعى إلى شريك يُعينك؟ أتريد زواجا ناجحاً؟ لا بَرَكَة خارج كلمة الرّبّ.  البيت المؤسَّس على الصّخر يثبت، أمّا البيت المؤسَّس على الرّمل فيسقط.  المسيح هو الصّخرة.  له المجد في الكنيسة وفي بيوتنا إلى الأبد.

AddToAny